السؤال:

ما حقيقة الحديث في شأن مشاركة الشيطان للرجل في جماع زوجته إذا لم يذكر اسم الله قبل معاشرتها؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وجزاكم الله خيرا، وبعد:

فإن هذا ليس حديثا ، وإنما هو قول مروي عن الإمام مجاهد ، ولم يثبت نسبته إليه ثبوتا أكيدا ، والعقل يرفض هذه المشاركة ، لأن الشيطان لا سبيل له على الإنسان إلا بالإغواء والوسوسة وتزيين الباطل ، وكيده ضعيف ، والمخلصون في أمان من شره ، والناسي مرفوع عنه الحرج .

وقد سألنا الداعية المصري الشيخ عبد الخالق الشريف ، فأفاد بالآتي :

روى عن مجاهد قال : إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه ، وهذا القول ليس بحديث ، ولكن بعض المفسرين يروون هذا القول عن مجاهد ، وفي ثبوته عن الإمام مجاهد كلام .

ثم إن تفسير البعض قوله تعالى عن إبليس : ( وشاركهم في الأموال والأولاد ) بالمشاركة في الجماع غير صحيح، لم يقم عليه دليل من القرآن والسنة ، وكذلك استدلالهم على هذه المشاركة بقوله تعالى : ( لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ) ، لأن هذه الأمور غيبية ، فلا تثبت بقول يروى بصيغة التضعيف عن أحد الأئمة ولم يثبت عنه ، ولو ثبت لم يدل على هذه الدعوى التي يكذبها القرآن ، لأن كل ما ذكر في القرآن عن توعد إبليس لبني آدم لا يزيد عن الوسوسة والإغواء والتزيين ، وكيده ضعيف كما أخبر الله تعالى عنه ، والله تعالى لا يرضي بالزنا ، ولا يتصور أن يمكِّن إنسانا أو جانا من الزنا بالنساء عند كل جماع لا يذكر اسم الله عليه ، مع أن الذكر في هذه الحالة قليل لغلبة الشهوة التي تنسي الكثيرين .

وأما مشاركة إبليس وذريته لبني آدم في أولادهم فله عدة وجوه ذكرها العلماء والمفسرون كغمزه ساعة الولادة أو وسوسته له وإيقاعه بسبب ذلك في المعاصي ، أو بوسوسته للآباء بقتل الأولاد سفها وعدوانا ، وخاصة وأد البنات ، وذبحهم بعض الأولاد للآلهة المزعومة، وتسميتهم عبد الحارث وعبد العزى وعبد اللات وعبد الشمس ونحوه ،أو هو صبغة أولادهم في الكفر حتى هودوهم ونصروهم، كصنع النصارى بأولادهم بالغمس في الماء الذي لهم ، وسوف يعلن الشيطان أنه لم يكن له عليهم سلطان غير الدعوة إلى المعاصي المؤدية إلى النار : ( وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ). ( انتهى كلام الشيخ ).

وقد روى البخاري في صحيحه ‏عن ‏ ‏ابن عباس ‏ رضي الله عنهما أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال : (‏ ‏لو أن أحدكم إذا ‏ ‏أتى ‏ ‏أهله ‏ ‏قال باسم الله ‏اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضي بينهما بولد لم يضره ).

قال الإمام ابن حجر في فتح الباري بشرح صحيح البخاري :
‏قوله ( لم يضره شيطان أبدا )‏،‏ وفي رواية مسلم وأحمد ” لم يسلط عليه الشيطان أو لم يضره الشيطان “, ولأحمد : ” لم يضر ذلك الولد الشيطان أبدا ” وفي مرسل الحسن عن عبد الرزاق ” إذا أتى الرجل أهله فليقل بسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا ولا تجعل للشيطان نصيبا فيما رزقتنا , فكان يرجى إن حملت أن يكون ولدا صالحا ” .
واختلف في الضرر المنفي بعد الاتفاق على ما نقل عياض على عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر , وإن كان ظاهرا في الحمل على عموم الأحوال من صيغة النفي مع التأبيد , وكان سبب ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ” إن كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد إلا من استثنى ” فإن في هذا الطعن نوع ضرر في الجملة , مع أن ذلك سبب صراخه .

ثم اختلفوا فقيل : المعنى لم يسلط عليه من أجل بركة تسمية الله , بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ) ويؤيده مرسل الحسن المذكور , وقيل المراد لم يطعن في بطنه , وهو بعيد لمنابذته ظاهر الحديث المتقدم , وقيل المراد لم يصرعه , وقيل لم يضره في بدنه , وقال ابن دقيق العيد : يحتمل أن لا يضره في دينه أيضا , ولكن يبعده انتفاء العصمة . ولكن يؤيده بأن اختصاص من خص بالعصمة بطريق الوجوب لا بطريق الجواز , فلا مانع أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمدا وإن لم يكن ذلك واجبا له , وقال الداودي معنى ” لم يضره ” أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر , وليس المراد عصمته منه عن المعصية …. وقيل بأن الشيطان يلتف على إحليل الرجل فيجامع معه إذا لم يذكر الله كما روى عن مجاهد .(انتهى).
والله أعلم.