السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم يوجد بعض المفتين في زماننا هذا يجيبون على جميع الأسئلة دائماً بلا استثناء ، وبعض الناس في بعض المجالس إذا طرح سؤال يتسابقون للإجابة عليه وكل واحد يريد أن يتكلم قبل الآخر ، فما حكم الشرع في هذا العمل ؟ وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فإذا كان المفتي من العلماء المؤهلين للإفتاء وكانت المسألة المعروضة من المسائل المتكررة عليه ويفهم كلام العلماء فيها ويعرف أقوالهم واستدراكاتهم فهذا مطالب بتوضيح للناس أمور دينهم وهو مسئول عن العلم الذي استودعه الله إياه .

أما إن كان قليل البضاعة في العلم ، أو كانت المسألة المعروضة تحتاج اجتهاد العلماء فعليه أن يمسك لسانه ولا يتجرأ على الإفتاء في ما لا يعلم فقد كان من عادة السلف الصالح أن يهابوا موقف الإفتاء ، وقد كان السلف يتدافعون الفتوى يقول كل واحد منهم سل فلاناً سل فلاناً حتى تعود إلى الأول ، وقد كان كل واحد منهم يود لو أن غيره قد كفاه أمر هذه المسألة أو تلك ، بل التسرع في الفتوى من غير علم فقد كان السلف يعدونه إمارة من إمارات عدم فقه الرجل ؛ فقالوا : أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً .

وقد جاءت الأحاديث الكثيرة تحذر من اقتحام الفتوى والتسرع فيها من غير علم لأن هذا مظنة الخطأ وعدم التروي وهو بهذا يضل الناس فقد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم: “من أفتى بغير علم كان إثم ذلك على الذي أفتاه”.

وقال غير واحد من السلف في بعض أهل زمانه. أن أحدهم يفتي في المسألة لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر!

ويذكر ابن القيم في كتابه إعلام الموقعين خطورة التسرع في الإفتاء فقال رحمه الله :
كان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى ، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره : فإذا رأى بها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة أو قول الخلفاء الراشدين ثم أفتى .

وقال عبد الله بن المبارك : حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أراه قال في المسجد ، فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا .

وقال الإمام أحمد : حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منهم رجل يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه ، ولا يحدث حديثا إلا ود أن أخاه كفاه .
وقال مالك عن يحيى بن سعيد إن بكير بن الأشج أخبره عن معاوية بن أبي عياش أنه كان جالسا عند عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر ، فجاءهما محمد بن إياس بن البكير فقال : إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ثلاثا فماذا تريان ؟ فقال عبد الله بن الزبير : إن هذا الأمر ما لنا فيه قول ، فاذهب إلى عبد الله بن عباس وأبي هريرة فإني تركتهما عند عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ائتنا فأخبرنا ، فذهبت فسألتهما فقال ابن عباس لأبي هريرة : أفته يا أبا هريرة فقد جاءتك معضلة ، فقال أبو هريرة : الواحدة تبينها ، والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره .

وقال مالك عن يحيى بن سعيد قال : قال ابن عباس : إن كل من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون .
قال مالك : وبلغني عن ابن مسعود مثل ذلك ، وقال سحنون بن سعيد : أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما ، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه .

قلت : الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم ، ومن غزارته وسعته ، فإذا قل علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم ، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه ، ولهذا كان ابن عباس من أوسع الصحابة فتيا .
وقد تقدم أن فتاواه جمعت في عشرين سفرا ، وكان سعيد بن المسيب أيضا ، واسع الفتيا ، وكانوا يسمونه ( بالجريء ) كما ذكر ابن وهب عن محمد بن سليمان المرادي عن أبي إسحاق قال : كنت أرى الرجل في ذلك الزمان وإنه ليدخل يسأل عن الشيء فيدفعه الناس عن مجلس إلى مجلس حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب كراهية للفتيا ، قال : وكانوا يدعونه سعيد بن المسيب : (الجريء) .

وقال سحنون : إني لأحفظ مسائل منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء ، فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب قبل الخبر ؟ فلم ألام على حبس الجواب ؟
وقال ابن وهب : حدثنا أشهل بن حاتم عن عبد الله بن عون عن ابن سيرين قال : قال حذيفة : إنما يفتي الناس أحد ثلاثة : من يعلم ما نُسخ من القرآن ، أو أمير لا يجد بُدّا ، أو أحمق متكلف ، قال : فربما قال ابن سيرين : فلست بواحد من هذين ، ولا أحب أن أكون الثالث .

والله أعلم .