السؤال:

ما هي الحدود المسموح بها في التعامل مع المخطوبة بالنسبة للخاطب؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
الخاطب أجنبي عن مخطوبته حتى العقد، ولا يجوز لأي منهما أن يستمتع من الآخر بأي شيء ، ولا يجوز الجلوس بينهما إلا في وجود محرم، كما أنَّ الكلام بينهما لابد أن يكون منضبطًا، وذلك بغرض الحفاظ على هذه البذرة حتَّى تكبر بلا آفات، ولا تتعرض للهلاك .

يقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي أستاذ الشريعة بسوريا:
الخِطبة مراوضة واتِّفاق‏،‏ بين أسرتين‏،‏ على مشروع زواج‏،‏ وربّما تُوِّج هذا الاتِّفاق بقراءة سورة الفاتحة‏.‏
هذه الخطبة‏،‏ لا تحمل في طيِّها أي دلالة على حكم شرعي ما‏،‏ ولا تتضمن أي مسوّغ لأي نوع من أنواع المتعة التي قد تتمُّ بين الزوجين‏،‏ بالإضافة إلى أن قراءة الفاتحة التي جرى العرف بها بين الناس‏،‏ بدعة لا تستند إلى دليل في الشرع‏،‏ فإنها‏،‏ بحكم البداهة‏،‏ لا تبيح حراماً‏،‏ ولا تحلُّ محلَّ عقد الزواج‏.‏

ومن ثم‏،‏ فإن العلاقة بين الخطيبين‏،‏ في فترة الخطبة‏،‏ هي نفسها العلاقة التي تكون بين أيّ شاب وفتاة لا تربطهما ببعض أي صلة زوجية أو قرابة رحم‏،‏ أي فلا يجوز أن يلتقيا على أيٍّ من أنواع المتعة الزوجية‏،‏ بل لا يجوز أن تضمَّهما خلوة شرعيَّة هذا من حيث الحكم الشرعي‏.‏

أما من حيث الآثار والنتائج الاجتماعية والقانونية‏،‏ فلا شك أن بين الحكم الشرعيّ وهذه الآثار كامل الانسجام‏.‏ ولولا الآثار الاجتماعية الضّارّة التي قد تنجم عن التَّهاون في هذا الأمر‏،‏ لما سجَّل الشّارع جلَّ جلاله أي حظر ولا تحذير من ذلك‏.‏
إن الاتِّفاق الذي يتمُّ بين الأسرتين على مشروع الزواج‏،‏ لا يشكِّل إلا بنياناً غير مكتمل البناء‏،‏ بل لا يشكِّل أكثر من تصوُّر لمشروع بناء‏.‏‏.‏ وهذا المشروع مهما تمَّ الاتِّفاق الكلامي عليه‏،‏ فإنه معرَّض في كل وقت للاضطراب ثم الفسخ ، لعوامل شتى قد تفاجأ بها إحدى الأسرتين أو أحد الطرفين‏.‏

إذن‏،‏ فإقدام الشّاب على التَّمتع بخطيبته في هذه الفترة‏،‏ واستسلام الخطيبة لذلك‏،‏ مغامرة خطيرة غير مأمونة العواقب‏.‏ والضَّرر‏،‏ كل الضَّرر‏،‏ إنما يتوجَّه إلى مصلحة الفتاة وسمعتها‏.‏
ماذا يحدث لو أن الشّاب أخذ حظّه‏،‏ ولو بشكل جزئي‏،‏ من خطيبته‏،‏ واستمرّا على ذلك حيناً من الزمن‏،‏ ثم طرأ أمر لم يكن في الحسبان‏،‏ استوجب فسخ الخطوبة وطيّ مشروع الزواج كله؟
إن الشاب قد لا ينوبه من ذلك شيء‏،‏ ولكن الفتاة تعود من هذه الرحلة الخيالية، وقد فقدت الكثير من سمعتها الطَّيبة‏،‏ وتفتَّحت إليها أبواب من الظُّنون السَّيئة بها والتَّصورات التي قد تكون ظالمة لها‏،‏ فضلاً عن أنها قد تكون خسرت في هذه الرحلة الوهمية أعزّ ما تملكه‏،‏ في ساعة لم تكن تملك‏،‏ لا هي ولا خطيبها‏،‏ أي إرادة صابرة أو قدرة على الثبات والاعتصام‏.‏‏.‏
وواضح أن الفتاة لا تملك في هذه الحالة أي قانون تطالب بموجبه بأي تعويض عما قد أخلَّ بسمعتها أو عقَّد سبيل التَّطلع إلى مستقبل جديد لها‏.‏ فلن تعود بمهر ولا بجزء من المهر‏،‏ ولن تملك المطالبة بأيّ تعويض‏.‏‏.‏ لأن المغامرة تَمَّت شاردة سواء من وراء سور الزواج والعقد الشرعي‏.‏

غير أن كلاًّ من الخطيبين إن كان يشعر أن ابتعاده عن صاحبه‏،‏ أمر شاقّ لا صبر عليه‏،‏ فمن السهولة بمكان أن تتوَّج الخطبةُ العرفية بعقد شرعي يتمّ على أصوله حتى وإن حالت الظروف في تلك الفترة دون تسجيله في سجلات القضاء‏.‏

وعندئذ ينعقد الرباط الزوجي بينهما‏،‏ ويحلّ لهما كل أنواع المتعة الزوجية‏.‏ فإن تعرض العقد بعد ذلك لأي إلغاء أو بطلان‏،‏ فإن في صورة العقد الشَّرعي الذي تمَّ مع توقيع الشّاهدين‏،‏ ما يضمن لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه‏.‏
والله أعلم.