السؤال:

نرجو من حضراتكم أن تتعرضوا بالشرح لتوضيح مسألة الفرقة الناجية الواردة في حديث المصطفي صلى الله عليه وسلم ، وذلك لما ابتلي به المسلمون هنا من ادعاء طائفة من الناس بأنها هي الفرقة الناجية وأن باقي المسلمين هلكى ، وقد شاعت هذه الفتنة وانتشرت ولا شك أن بيانكم في هذا الشأن له قيمته ووزنه ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

الحديث الذي يذكر افتراق الأمة وتعددها ويحذر الفرق من النار مختلف في صحته ، وإذا نظرنا إليه على أنه صحيح فإنما المقصود منه هو التحذير من الاختلاف ، ولا يلزم من توعد معظم الفرق بالنار أن يكونوا كافرين مخلدين فيها ، لأن أي معصية تدخل النار إن لم يتب صاحبها ، ولم يغفرها الله له ، والاختلاف مجرد معصية وليس كفرا .

ثم إن الحديث لم يحدد أي الفرق هي الناجية ، ولا أيها غير الناجية ، فلا يجوز لأى فرقة أو جماعة أن تحدد نفسها بأنها الناجية ، كما لا يجوز اتهام أي فرقة من المسلمين بأنها تستحق النار ، فالله يعفو عمن يشاء .

وهذه فتوى المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء في ذلك:
المقصود بحديث الفرقة الناجية هو حديث معاوية بن أبي سفيان أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة ، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة ).
وروي كذلك عن آخرين من الصحابة وفي أكثر الروايات ( فرقة ) بدل ( ملة ) كما أن في بعضها عدم ذكر: ( كلها في النار إلا واحدة ) ، واختلف علماء الحديث في صحته .

وجوابنا عن معناه على مذهب من صححه كما يلي:
ذكر الحديث الافتراق على العدد المذكور ولم يعين فرقة من تلك الفرق وجعل النبي صلى الله عليه وسلم جميع تلك الفرق من أمته، وكأنه عليه الصلاة والسلام قصد إلى التحذير من التفرق بعده وأمر بالاعتصام بالجماعة فجاء الوعيد : ( كلها في النار ) لذلك .

وورود الوعيد بالنار على عمل يفعله المسلم من الأعمال غير الصالحة لا يعني الخلود فيها كما يخلد الكفار ، بل يدخلونها كما يدخلها عصاة الموحدين وقد يشفع لهم شفيع من الأنبياء أو الملائكة أو آحاد المؤمنين ، وقد يكون لهم من الحسنات الماحية والمحن والمصائب المكفرة ما يدرأ عنهم العذاب ، كما قد يعفوا الله تبارك وتعالى عنهم بفضله وكرمه ، لا سيما إذا كانوا قد بذلوا وسعهم في معرفة الحق ولكن لم يوفقوا فيه فأخطاوا الطريق ، وقد وضع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.

ومن الواجب ملاحظته : أنه لا يجوز إلحاق الوعيد بالنار بطائفة معينة من طوائف المسلمين ، لأن الحديث لم يعين ذكر لهذه الطائفة أو تلك ، وكما لايجوزتعيين طائفة للوعيد بالنار فلا يجوز تعيين طائفة للنجاة يوم القيامة.

والذي يجب على المسلمين هو الاجتهاد بالبعد عن أسباب التفرق والاختلاف ، وأن يكونوا إخوانا كما أمرهم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن يقصدوا إلى إصابة الحق من دينهم من كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وأن ينصحوا لعموم المسلمين.

ولا يحل لأحد أن يستعمل هذا الحديث لإثارة المشاكل بين المسلمين ، فإن النصوص من الكتاب والسنة صريحة قاطعة بوجوب الولاء للمسلمين وحبهم والصدق في النصيحة لهم ، فلا يجوز ترك هذا الأمر المقطوع به من دين الإسلام والتعلق بفهم خاطئ في تفسير هذا الحديث.
قال تعالى : ( ومن أحسن قولا مما دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) فصلت : 33.
والله أعلم.