السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ،، نحن في عصر التقنية والتقدم العلمي كما تعلمون ، ولا شك أيضا أنه عندما يتقدم شخص ما للحصول على وظيفة ،فإنه يجب عليه إتقان عدة لغات أجنبية ، وهناك أيضا من يتقن أكثر من (6) لغات أجنبية قراءة وكتابة ومحادثة ولو طلبت من ذلك الشخص قراءة وحفظ سورة من القرآن فما استطاع ذلك ، وهناك من يتقن أيضا لغة اليهود وهى العبرية. السؤال : ما حكم الإسلام فيمن تعلم لغات المشركين والنصارى واليهود وإتقانها قراءة وكتابة ومحادثة والتحدث معهم واتخاذهم أصدقاء ، وهل حرم الإسلام تعلم لغات المشركين أم لا ، وما حكم من تعلم تلك اللغات وفى نفس الوقت تعلم القرآن ، وهل لتعلم تلك اللغات الحية كما يسمونها أثر على حسن الخاتمة أو سوء الخاتمة والعياذ بالله عند الموت أم لا ؟. أفيدوني جزاكم الله خيرا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة على رسول الله وبعد
الأخ الفاضل السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد

فالإسلام دين عالمى ، عندما جاء لم يأت لقوم دون قوم بل جاء للناس أجمعين فيقول تعالى :” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”. ويقول تعالى “وأرسلناك للناس كافة ” . فهذه العالمية تعنى أن يصل الدين للناس كافة ، وهذه ضرورة لا ينكرها أحد. وإزاء هذه الضرورة يجوز بل يجب تعلم اللغات الأخرى للوصول بالدين لعالميته ، ودعا لذلك ما يلى:

1- أن اللغة العربية هجرها أهلها ، وأصبحت العامية منها على ألسن الناس أكثر من الفصحى . فما بالك بغير أهلها، وإزاء ما نحن مطالبون به من تبليغ الدعوة بصفة عامة للناس وجب تعلم لغتهم للوصول بالدين إليهم . وهذا بشرط تعلم اللغة العربية أولا ففاقد الشىء لا يعطيه.

2- أن الدعوة الإسلامية عامة لكل الناس وليست فقط للعرب .

3- أن غير الناطقين بالعربية يجوز لهم قراءة غير القرآن بلغتهم فإن لم يجدوا من يفهم لغتهم من العرب فكيف يفهمون مرامى العربية وأساليبها.

4- أن الرسول كلف زيد بن ثابت بتعلم اللغة العبرية فتعلمها فى سبعة عشر يوما. وقيل فى خمسة عشر يوما.

5- أن الرسول كان يراسل الملوك ويراسلونه بلغاتهم وكان من العرب من يتقن هذه اللغات ويترجمها.

ويقول الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا:

إن الواجب على كل مسلم أن يتعلَّم من اللغة العربية ما يؤدي به عبادته على وجهها الصحيح، كقراءة الفاتحة في الصلاة مثلاً، ما دام ذلك مُمكنًا، كما ينبغي أن يعرف منها أكثر ليستطيع فهم الدين بسهولة عند قراءته في المصحف واطلاعه على الأحاديث النبوية وغيرها من الكتب المؤلفة باللغة العربية.

ومع هذا لابد أن يكون في المسلمين من يعرف اللغات الأجنبية لحاجة الدعوة إليها بوجه خاص، وإلى إمكان التعايش مع العالم الذي لا غِني عن التعايش معه. ولا يوجد نص يمنع ذلك، بل يُوجد ما يدعو إليه ويُؤكده. قال البخاري عن زيد بن ثابت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمره أن يتعلَّم كتاب اليهود حتى كتبت للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتبه، وأقرأته كتبهم إذا كتبوا إليه.

وقال أبو جمرة: كنت أترجم بين ابن عباس والناس، وقال بعض الناس: لابد للحاكم من مُترجمين.

لقد أعجب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بزيد حين قدم المدينة؛ لأنه يحفظ كثيرًا من القرآن وقال له “تعلَّم كتاب يهود، فإني ما آمن من يهود على كتابي” فتعلم ذلك في نصف شهر حتى كتب له إلى يهود، وقرأ له إذا كتبوا إليه.

وروى أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح أن مدة التعلم كانت خمس عشرة ليلة، كما جاء في بعض الروايات أنها كانت سبعة عشر يومًا، وذلك لا يهمنا، والمهم أن زيدًا تعلَّم العِبرية أو السريانية بأمر من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ للحاجة إلى ذلك، وقد تحدث العلماء عن إجادة اللغة وصِحة الترجمة ليكون مَوثوقًا بها كالشهادة في الأحكام والقضايا، وهذا يؤكد أن إجادة اللغة ومعرفة أسرارها أمر مشروع، والمُشْتغل به مشتغل بعلم له قدره وثوابه ما دام القصد طيبًا، والاستعمال مشروعًا، ويعجبني في هذا المقام ما نُسب إلى الشافعي أو إلى الصفدي من قوله:

بقدر لغات المرء يكثر نفعه
وهن له عند الشدائد أعوان
فبادر إلى حفظ اللغات مسارعًا
فكل لسانٍ في الحقيقة إنسان

والله تعالى أعلى وأعلم