السؤال:

طلب أحد المصلين مِن خطيب أحد المساجد أن يَقصُر في الخطبة ؛ لأنه رجل مُسِنٌّ ويَستند على عُكازين ، فاتهمه الشيخ بأنه بذلك يعوق تعليم الناس ، وأهانه بكلام جارح وأمره أن يخرج من المسجد . فهل مِن حق خطيب المسجد طرْدُ شيخ مُسِنٍّ من المسجد لمُجرد أنه طلَب منه سِرًّا عدم إطالة الخُطبة لأكثر مِن ساعة رحمة بالمُسنِّينَ والمرضَى؟ وهل يَحقُّ لهذا الخطيب إهانة مُسِنٍّ والاستهزاء بمُصلٍّ جاء إلى بيت الله يرجو رحمته ورضاه ؟ وهل طَلَبُ التخفيف يُوقف تَعليم الناس؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فالجمعة لا تجب على هذا الرجل المسن الذي يجد مشقة كبيرة في الذهاب إلى المسجد ، ولكن صلاته للجمعة صحيحة ، وعلى الخطيب أن يقصر الخطبة ، ولا يطيلها بحيث يضر بالناس ، لأن الخطبة للوعظ وليست للتعليم ، وأما التعليم فيكون في الدروس وغيرها من الأشرطة والكتب ، و بعض الإذاعات الدينية كإذاعة القرآن الكريم .

ولا يحق للخطيب إهانة أحد ، وعليه أن يرد بالحسنى ويصدع للحق ، كما يجب احترام الكبير ومراعاة المريض وأصحاب الأعذار.

يقول الأستاذ الدكتور نصر فريد واصل، مفتي مصر :
بالنسبة لطرد شيخ مُسنٍّ من مسجد لمجرد أنه طلب من الإمام سِرًّا بينه وبين الإمام عدم إطالة الخُطبة ، أو إهانته والاستهزاء بمُصلٍّ جاء إلى بيت الله وغير ذلك ؛ فنُفيد بالآتي:

إذا ما ثبَتَ ذلك وكان الحال كما وَرد بالسؤال فذلك غير جائز شرعًا؛ لأنه لا يَجوز لمسلم طرْدُ مسلمٍ من مسجد ولا إهانته ولا الاستهزاء بأيِّ مُصلٍّ ولو بكلمة نابِيَة، وأن المساجد لله وخُصصت للعبادة.

وأن طلَب التخفيف في الصلاة وفي الخطبة لا يكون عَقبةً في سبيل تعليم الناس ، وأن تَعليمهم أيضًا يكون بالدروس في المساجد وبالوَعْظ والإرشاد وبقراءة الكتب الدينية ، ويجب أن يكون الردُّ على المُصلِّين بالقول الحسن وبالكلمة الطيبة والمُعاشرة الجميلة وتبادُل المَصالح والتعاون على البرِّ والتقوى ويدعو إلى السلام ، قال الله تعالى: (ادْعُ إلى سبيلِ ربِّكَ بالحِكمةِ والمَوْعظةِ الحسَنة وجادِلْهمْ بالتي هي أحْسنُ) (النحل: 125).

وأن العلاقة بين الإنسان وأخيه علاقة سلام وأمان ؛ لأنه يُحسُّ بإحساسه ويَشعر بشُعوره “مثَلُ المؤمنينَ في تَوَادِّهمْ وتَراحُمهم وتَعاطُفهم كمثَل الجسَدِ الواحدِ إذَا اشتكَى منه عُضوٌ تداعَى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسَّهرِ” .

ويُستحب للإمام أن يَقصُر الخطبة ويَهتم بها لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “أَطِيلُوا الصلاةَ واقْصُرُوا الخُطبة” . وألا يكون التطويل يَشقُّ على المسلمين ويَضرُّهم، ويُندب للإمام أن يُخفِّف للصلاة بالمأمومين لحديث أبي هريرة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “إذا صلَّى أحدُكم بالناس فلْيُخفِّفْ فإن فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ، فإذا صلى لنفسِه فلْيُطَوِّلْ ما شَاءَ”. هذا بيان الحكم الشرعيِّ .

فإذا قصر الخطيب الخطبة ومع ذلك وجد المصلى مشقة فى الحضور لعذر ؛ فقد أجمع العلماء على أن صلاة الجمعة فرْض عينٍ وأنها ركعتانِ لقول الله تعالى: (يا أيُّها الذينَ آمنوا إذَا نُودِيَ للصلاةِ مِن يومِ الجُمعةِ فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللهِ وذَرُوا البيْعَ ذلكُمْ خيرٌ لكمْ إنْ كُنتمْ تَعلمونَ) (الجمعة: 9) وأن صلاة الجمعة لا تجب إلا على المسلم الحُرٍّ البالغ العاقل المقيم القادر على السعي إليها الخالي من الأعذار المُبيحة للتخلُّف عنها .

فلا تجب صلاة الجمعة على المرأة والصبيُّ ، وكذلك المريض الذي يشقُّ عليه الذهاب إلى الجمعة أو يخاف زيادة المرض أو بُطْأَه أو التأخر في شِفائه لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: “الجمعة حقٌّ واجبٌ على كل مسلم في جماعة إلا أربعة وهم: عبْدٌ مملوك أو امرأةٌ أو صبيٌّ أو مريضٌ” ، وكذلك المسافر؛ لأن النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يُسافر فلا يُصلي الجمعة في سفره، وكذلك المَدين والمُعسر والذي يَخاف الحبْس لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: “من سمِع النداء فلم يُجبه فلا صلاةَ له إلا مِن عُذْرٍ” قالوا: يا رسول الله وما العُذر؟ قال: “خوفٌ أو مرَض” (رواه أبو داود بإسناد صحيح) .

فكل هؤلاء لا جمعة عليهم وإنما يجب عليهم أن يُصلُّوا ظُهرًا ، ومَن صلى منهم الجمعة صحَّت منه وسقطت عنه فريضةُ الظهر .

وبناءً على ذلك فحيث إن الشيخ المُسِنَّ قام بالذهاب إلى المسجد وصلَّى الجمعة صحَّت منه وسقطت عنه فريضةُ الظهر وأخَذ ثواب الجمعة والجماعة ، ولكن إذا وجد مع التخفيف مشقة فالأولى أن يأخذ بالرخصة ويصلى الظهر في بيته .
ومما ذُكر يُعلم الجواب والله سبحانه وتعالى أعلم.