السؤال:

ما هي خطورة الغزو الثقافي الوافد علينا من الغرب أو الشرق وما السبيل إلى الوقاية منه؟ جزاكم الله عنا خير الجزاء وثبنت على طريق الحق خطاكم.

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

أخي الكريم: إن مواجهة الأمة لعدو يشهر في وجهها السلاح أهون بكثير من أن تواجه زحفا يستهدف تضليل أبناء هذه الأمة وإفساد عقيدتها وطمس هويتها الإسلامية، وهذا هو الذي فطن له عدونا في صراعنا معه بعد أن تجرعوا ويلات المواجهة المسلحة وتكبدوا ما لا يحصى ولا يعد من الخسائر في الأموال والأرواح على مر العصور المختلفة، لذا كان الانسحاب الظاهري من الميدان، فبذلوا قصارى جهدهم في إيجاد جيل ممسوخ ينتسب إلى الإسلام في الظاهر، ولكنه بعيد عن جوهر الإسلام، بل يتفانى في حربه للإسلام -من حيث يدري أو لا يدري- لقناعته أن الإسلام دين المسجد وليس منهج حياة، وغدا منبهرا بالمدنية الزائفة والحضارة الكاذبة التي لم يجن أهلها من ورائها إلا العيش النكد، وذلك لا شيء إلا لأن هذه الحضارة وتلك المدنية معزولة عن المنهج الرباني.

ولن تعرف البشرية طعم السعادة إلا بخضوع الأرض لوحي السماء، ولا يقف التشريع السماوي في وجه حضارة أو مدنية قط ولكن كل ما في الأمر أنه يكسوها حُلة الإيمان، حتى تسير في طريق رقيها إلى ما يرضي الواحد المنان، فالعلم الذي ينزع منه ثوب الإيمان لا يجني على أهله إلا الشقاوة والخذلان، وما واقع الغرب عنا ببعيد، ولكن .. ليتنا نفيق.

وإليك فتوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز –رحمه الله- حول هذا الأمر :

مما لا شك فيه أن أخطر ما تواجهه المجتمعات الإسلامية في الوقت الحاضر هو ما يسمى بالغزو الثقافي بأسلحته المتنوعة من كتب وإذاعات وصحف ومجلات وغير ذلك من الأسلحة الأخرى ذلك أن الاستعمار في العصر الحديث قد غير من أساليبه القديمة لما أدركه من فشلها وعدم فعاليتها ومحاربة الشعوب واستماتتها في الدفاع عن دينها وأوطانها ومقدراتها وتراثها حيث إن الأخذ بالقوة وعن طريق العنف والإرهاب مما تأباه الطباع وتنفر منه النفوس لا سيما في الأوقات الحاضرة بعد أن انتشر الوعي بين الناس واتصل الناس بعضهم ببعض وأصبحت هناك هيئات كثيرة تدافع عن حقوق الشعوب وترفض الاستعمار عن طريق القوة وتطالب بحق تقرير المصير لكل شعب وأن لأهل كل قطر حقهم الطبيعي في سيادتهم على أرضهم واستثمار مواردهم وتسيير دفة الحكم في أوطانهم حسب ميولهم ورغباتهم في الحياة وحسب ما تدين به تلك الشعوب من معتقدات ومذاهب وأساليب مختلفة للحكم مما اضطر معه إلى الخروج عن هذه الأقطار بعد قتال عنيف وصدامات مسلحة وحروب كثيرة دامية .

ولكن الاستعمار قبل أن يخرج من هذه الأقطار فكر في عدة وسائل واتخذ كثيرا من المخططات بعد دراسة واعية وتفكير طويل وتصور كامل لأبعاد هذه المخططات ومدى فعاليتها وتأثيرها والطرق التي ينبغي أن تتخذ للوصول إلى الغاية التي يريد وأهدافه تتلخص في إيجاد مناهج دراسية على صلة ضعيفة بالدين . مبالغة في الدهاء والمكر والتلبيس ركز فيها على خدمة أهدافه ونشر ثقافته وترسيخ الإعجاب بما حققه في مجال الصناعات المختلفة والمكاسب المادية في نفوس أغلب الناس حتى إذا ما تشربت بها قلوبهم وأعجبوا بمظاهر بريقها ولمعانها وعظيم ما حققته وأنجزته من المكاسب الدنيوية والاختراعات العجيبة . لا سيما في صفوف الطلاب والمتعلمين الذين لا يزالون في سن المراهقة والشباب .

اختارت جماعة منهم ممن انطلى عليهم سحر هذه الحضارة لإكمال تعليمهم في الخارج في الجامعات الأوروبية والأمريكية وغيرها حيث يواجهون هناك بسلسلة من الشبهات والشهوات على أيدي المستشرقين والملحدين بشكل منظم وخطط مدروسة ، وأساليب ملتوية في غاية المكر والدهاء ، وحيث يواجهون الحياة الغربية بما فيها من تفسخ وتبذل وخلاعة وتفكك ومجون وإباحية . وهذه الأسلحة وما يصاحبها من إغراء وتشجيع ، وعدم وازع من دين أو سلطة ، قل من ينجو من شباكها ويسلم من شرورها وهؤلاء بعد إكمال دراستهم وعودتهم إلى بلادهم ممن يطمئن إليهم المستعمر بعد رحيله ويضع الأمانة الخسيسة في أيديهم لينفذوها بكل دقة . بل بوسائل وأساليب أشد عنفا وقسوة من تلك التي سلكها المستعمر ، كما وقع ذلك فعلا في كثير من البلاد التي ابتليت بالاستعمار أو كانت على صلة وثيقة به .

أما الطريق إلى السلامة من هذا الخطر والبعد عن مساوئه وأضراره فيتلخص في:

1- إنشاء الجامعات والكليات والمعاهد المختلفة بكافة اختصاصاتها للحد من الابتعاث إلى الخارج.

2- تدريس العلوم بكافة أنواعها مع العناية بالمواد الدينية والثقافية الإسلامية في جميع الجامعات والكليات والمعاهد حرصا على سلامة عقيدة الطلبة ، وصيانة أخلاقهم وخوفا على مستقبلهم ، وحتى يساهموا في بناء مجتمعهم على نور من تعاليم الشريعة الإسلامية وحسب حاجات ومتطلبات هذه الأمة المسلمة.

3- الواجب التضييق من نطاق الابتعاث إلى الخارج وحصره في علوم معينة لا تتوافر في الداخل .

والله أعلم