السؤال:

ما حُكم الدِّين في غطاء الرأس؛ هل هو سُنة أم فرْض؟ وما صحة الحديث : "تَعَمّموا تَزْدَادُوا حِلْمًا" ؟ وهل ورد عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه كان يُعلم الصحابة كيف يَتعمَّمون؟ وما حُكم الصلاة بغير غطاء الرأس وخاصة للإمام؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة على رسول الله ، وبعد :

 

فصلاة الرجل بغير غطاء الرأس صحيحة ، لأنه ليس فرضا فيها ، فإذا قصد بكشف الرأس حصول الخشوع وإظهار التذلل لله تعالى فلا كراهة في كشف الرأس ، وأما إذا لم يقصد ذلك فيكره عند الحنفية لأن

تغطية الرأس عندهم من سنن الصلاة التي يكره تركها ، لأنها من الزينة المأمور بها في الصلاة ، ولم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم أصحابه كيف يتعممون. والحديث المذكور قال عنه

ابن حجر في الفتح : ” اعتموا تزدادوا حلما ” أخرجه الطبراني والترمذي في ” العلل المفرد ” وضعفه البخاري؛ وقد صححه الحاكم فلم يصب، وله شاهد عند البزار عن ابن عباس ضعيف أيضا .

 

فتغطية الرأس في الصلاة ـ كما يقول الشيخ عطية صقر ـ لم يرد فيها حديث صحيح يدعو إليها؛ ولذلك ترك للعرف تقديرها، فإن كان من المتعارف عليه أن تكون تغطية الرأس من الآداب العامة، كانت

مندوبة في الصلاة؛ نزولا على حكم العرف فيما لم يرد فيه نص. وإن كان العرف غير ذلك فلا حرج في كشف الرأس، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن .

 

ولكن الدكتور نصر فريد واصل ـ مفتي مصرـ يميل إلى رأي الحاكم في تصحيح الحديث ، ويري مع ذلك أن الصلاة مع كشف الرأس صحيحة ، فيقول فضيلته:

 

الدِّين الإسلاميُّ دِين الهيبة والوَقار، وقد حثَّ أتباعَه على أن يَكونوا دائمًا في أكمل وأتمِّ زِينة وأحسن لباس وخاصة عند الصلاة لقوله تعالى: (يا بَنِي آدمَ خُذُوا زِينَتَكمْ عندَ كلِّ مسجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا

تُسْرِفُوا إنَّه لا يُحبُّ المُسرفِينَ) (الأعراف: 31).
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللهَ طيِّبَ لا يَقبلُ من الأعمالِ إلا طيبًا”.

 

ومن هذا يَتبيَّنُ أن كلَّ ما يُظهر المسلمَ بمَظهر حسَنٍ وهيئة حسنة فهو مَطلوب ومَرغوب، ولذَا لمَّا سأل صحابيٌّ رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قائلًا: يا رسول الله، الرجل منَّا يُحب أن يكون نعْلُه

نَظيفًا وثوبُه نظيفًا، فهل هذا مِن الكبْر؟ قال صلى الله عليه وسلم: “لا، الكِبْرُ غَمْطُ الحقِّ وبَطَرُ النِّعْمة”. ولهذا قرَّر العلماء أن المُصليَ إذا صلَّى ورأسه مكشوفة فإن كان ذلك تَهاونًا وتكاسلًا فإن صلاته

مَكروهة، وإن كان للتذلُّل والتضرُّع فصلاته صحيحة بلا كراهة ، للحديث الذي رواه ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان ربما نزَع قَلَنْسُوَتَهُ فجعَلها سُترةً بين يديه. ولم يَرِدْ دليلٌ بأفضليَّة تَغطية

الرأس في الصلاة.

 

 

ويُكره عند الأحناف ترْكُ سُنة عمدًا أو فِعْلُ ما يُنافي الخشوع والكمال، ومنه صلاة الرجل عاريَ الرأس لمَا فيه مِن ترْك الزينة المَأمور باتِّخاذها حالَ الصلاة لقوله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عندَ كلِّ مَسجِدٍ) أمر

بالتجمُّل حالَ الصلاة. ومنه سَتْرُ الرأس؛ ليكونَ الرجلُ في صلاته على أفضل الحالات وأفضل الهيئات اتباعًا للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ واقتداء بالصورة التي نقلَها الثقاة من هدْيه حالَ صلاته، قال

رجل من الأنصار لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن، العِمامة سُنَّةٌ؟ فقال: نعمْ. أخرجه ابن أبي عاصم في كتاب الجهاد.

 

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اعْتَمُّوا تَزْدَادُوا حِلْمًا” (أخرجه البزار والطبرانيُّ في الكبير وصحَّحه الحاكم) ورُوي مِن طريق أبي المَليح بن أسامة عن ابن عمر عن

أبيه أن النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “اعتَمُّوا تَزدادوا حلْمًا”. وقال عليٌّ رضي الله عنه: العَمائم تِيجانُ العرب. أخرجه أبو داود والبيهقيُّ (“الدين الخالِص” للأستاذ محمود خطاب السبكيّ 3 / 213).
وتأسيسًا على ما ذُكر فإن حُكم غطاء الرأس سُنَّةٌ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله وفِعْله، وإن الصلاة بغير غطاء الرأس جائزةٌ إن كانت للتذلُّل والخُشوع، و الحديث المذكور بالسؤال وَرد

بشأن العمائم. ولم يُعلَم أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يُعلم أصحابه كيف يَتعمَّمون.
ومما ذُكِرَ يُعلَمُ الجواب عن السؤال. والله سبحانه وتعالى أعلم .

 


الوسوم: , , , ,