السؤال:

تقدم لخطبتي أحد أقارب والدي وهو كُفْءٌ غير أن أسلوب والدتي والإثقال عليه في طلبات الزواج من مهرٍ وشبكةٍ والمبالغة في ذلك صرَفه عني، وكانت أمي تُريد زواجي مِن ابن أختها غير أني ما مِلْتُ إليه، ثم ذهب هو الآخر ليَخطب غيري. وأمي ـ وهي نادمة ـ لا شُغل لها الآنَ إلا الذهاب إلى المُنجمين، وكُتَّاب الأحجبة، جلْبًا لعريس لي. فما الرأي؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فإن الإسلام يدعو إلى تيسير المهور ، وينظر إلى الحياة الزوجية بعيدا عن الماديات التي تعكر صفوها ، وإنما أوجب المهر لإظهار جدية الزوج في الزواج ، ويمنع إرهاق الزوج بالمبالغة في ماديات الزواج .
كما أنه يجعل للمرأة حق اختيار زوجها الذي سترتبط به ارتباطا وثيقا على الدوام ، ويرفض إجبارها على الزواج ممن لا ترغبه .
كما أنه يأمر المؤمنين بالتوكل على الله والأخذ بأسباب النجاح في كل أمر خيّر ، ويرفض اتباع الشعوذة والتنجيم ، ويقرر أنه لا يعلم الغيب إلا الله ، وأنه لا يدبر الأمر ويقدر الأقدار إلا الله تعالى. فالذي قامت به أمك كله خطأ ، وعليك أن تتوكلي على الله تعالى.
يقول الأستاذ الدكتور محمد البهي ، من علماء الأزهر ـ رحمه الله:

يتضمن هذا السؤال ثلاث نقاط:
النقطة الأولى: الغُلوُّ في المهر.
النقطة الثانية: تَحكيم صلة القرابة في اختيار الزوج.
النقطة الثالثة: الاعتقاد في التنجيم، والتمائم والأحْجبة.
والمَهر في نظر الإسلام وإنْ كان أمرًا أساسيًّا في الزواج، يُعطَى مِن الرجل إلى المرأة، ولكن يُعطَى كمِنحة وهدية منه، تعبيرًا عن رغبته في الاقتران بها، وليس كثمن لها، تختلف قيمتُه، تَبعًا لاختلاف منزلة المرأة الاجتماعية، أو تبَعًا لمَا يَترقَّب مِن منافع مادية منها.
ولذا يكفي في المهر عند الشافعيّ أن يُعلِّم الزوجُ زوجتَه بعض سُور القرآن الكريم. وتعليم القرآن أبعد ما يكون عن مقياس الاقتصاد في مجال الثمن والسلعة.
والغلوُّ في المهر إذنْ خارج عن مُحيط الزواج، كما ينظر إليه الإسلام، تدفع به إلى حياة الناس عواملُ التأثُّر بالقيَم المادِّية، وإخضاع الإنسان في تقديره إلى المستويات المادية وحدها، أو قبل المستويات النفسية والعقلية والسلوكية للرجل والمرأة، ويُروَى عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه خطب ذات مرة فقال: “أَلا لا تُغالوا بصَداق النساء؛ فإنها لو كانت مَكرُمة في الدنيا، أو تقوى عند الله كان أولاكم بها النبي، صلى الله عليه وسلم “.

وتحكُّم الأم في تزويج ابنتها من ابن أختها، الذي لم ترضَ به البنت زوجًا لها قد حمَل الأم على أن تُطارِد رجلاً آخر كُفْئًا رَضِيَتْ به ابنتُها، بسبب أو بآخر يُعارض ما جاء في إذن المرأة، سواء أكانت بكرًا أم ثيِّبًا، فقد وَرد عن الرسول عليه السلام: “الثيِّب أحقُّ بنفْسها” (أي في الإذن بالزواج. من وَلِيِّها)، والبكر تُستأمر” “أي يُؤخَذ أمرُها وإذنُها”، وإذنُها سكوتها”.. والأم .. كامرأة ليست مِن الأولياء حتى يكون لها شأن ما.

ولكنها العادات هي التي تَطغى على صفاء المنهج الذي رضي به الإسلام في العلاقة بين الرجل والمرأة.

وذَهاب الأم إلى المُنَجِّمين، بعد أن فاتت عليها فرصة الرجل الكُفْء الذي رَضِيَت به ابنتُها، وبعد أن لم تَنجح هي في حمْل ابنتها على قَبُول ابن أختها كزوج لها لا يُفيدها في شيء.

فلا قول المُنجِّمين، ولا خبر العرَّافين يكشف عن غَدِ الناس ومستقبلهم؛ إذْ علم ذلك لله وحده، ويُروى عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قوله: “مفاتيح الغيْب خمسٌ لا يَعلمها إلا اللهُ: لا يعلم ما تَغيض الأرحام إلا الله، ولا يَعلم ما في غدٍ إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المَطر أحدٌ إلا الله، ولا تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموت إلا الله.. ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله”.. (انتهى)
والله أعلم.