السؤال:

أرجو التفضل بالافتاء فى حالة الزوجة الرتقاء التى لم يكن الزوج يعلم بحالتها عند زواجه بها .وهل يترتب على هذه الحالة بعد كشفها بطلان عقد الزواج بما يستتبع ذلك من عدم ترتب الآثار التى تترتب على العقد الصحيح، فلا تستحق نفقة أو مؤخر صداق أو غير ذلك؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

ففقهاء المالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والجعفرية يرون جواز طلب التفريق بسبب العيوب المرضية سواء للرجل أو المرأة وأن اختلفوا في تحديد هذه العيوب‏، أما الحنفية فيرون أن التفريق يكون بسبب العيوب المرضية التى توجد في الرجل خاصة على خلاف بيئتهم في هذه العيوب .

وقد فصَّل القول في هذه المسألة فضيلة الشيخ عبد اللطيف حمزة ـ رحمه الله مفتي مصر الأسبق[1]، وإليك نص فتواه:

 إن الزواج في الإسلام مودة ورحمة ومعاشرة بالمعروف .‏ فإذا ظهرت عيوب مرضية مستقرة غير قابلة للعلاج والشفاء بأحد الزوجين .‏
فهل يجوز لأحدهما طلب فسخ الزواج قضاء أم لا يجوز؟

 اختلف فقهاء الشريعة في هذا إلى ثلاثة أراء :

‏ الأول : أنه لا خيار لأحد الزوجين إذا ما وجد بصاحبه عيبا .‏ فلا يجوز له طلب فسخ عقد الزواج سواء كان هذا العيب قبل العقد أو حدث بعده .‏ وسواء كان بالزوج أو بالزوجة .‏ وبهذا يقول الظاهرية .‏

الثاني : أنه يجوز طلب التفريق بعيوب محددة
ويقول بهذا فقهاء مذاهب الأئمة أبى حنيفة ومالك والشافعي وأحمد -‏ غير أن فقهاء المذهب الحنفي يرون أن التفريق يكون بسبب العيوب المرضية التي توجد في الرجل خاصة على خلاف بينهم في عدد هذه العيوب
بينهما يرى فقهاء مذاهب المالكية والشافعية والحنابلة والزيدية والجعفرية جواز طلب التفريق بسبب العيوب المرضية سواء للرجل والمرأة .‏ وإن اختلف هؤلاء أيضا في عدد العيوب المجيزة لهذا الطلب ونوعيته .‏
الرأي الثالث: يجيز طلب التفريق مطلقا بأي عيب جسدي أو مرضى .‏ ولأي من الزوجين هذا الحق، وبهذا يقول شريح وابن شهاب والزهري وأبو ثور، وقد انتصر لهذا الرأي العلامة ابن القيم في زاد المعاد ج ‏4 ص ‏58، ‏59 هذا والصحيح في مذهب الإمام أحمد بن حنبل ـ كما جاء في المغنى لابن قدامة ص ‏587 ج ‏7 ـ أنَّ الزوج إذا وجد بزوجته بعد الدخول بها عيبا لم يكن يعلمه قبل العقد ولم يرض به -‏ أنَّه يرجع بالمهر على من غره -‏ وأنَّ ولى الزوجة ضامن للصداق .‏ وبهذا قال الإمام مالك والإمام الشافعي في القديم والزهري وقتادة؛ اعتدادا بأثر مروى عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد لا يرجع الزوج بشيء على أحد ؛ لأنه بالدخول بها قد استوفي حقه -‏ استنادا إلى قول سيدنا على بن أبى طالب رضي الله عنه في هذه الواقعة؛ ولما كان القضاء في مصر قد جرى في هذا الموضع على أرجح الأقوال في فقه مذهب الإمام أبى حنيفة عملا بالمادة ‏280 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية بالمرسوم بقانون رقم ‏78 لسنة ‏1931م .‏
وكان فقه هذا المذهب يقضى بأنَّه لا حق للزوج في طلب فسخ الزواج إذا وجد بزوجته عيبا اكتفاء بما يملكه من حق الطلاق إذا يئس من علاجها ؛ لأن الزوجية قائمة على حق تبادل المتعة .‏ ففي فتح القدير ج ‏3 ص ‏268 وما بعدها .‏ وإذا كان بالزوجة عيب ـ أي عيب كان ـ‏ فلا خيار للزوج في فسخ النكاح .‏
وذلك لأن فوت الاستيفاء بالكلية بالموت لا يوجب الفسخ حتى لا يسقط شىء من مهرها فاختلاله بهذه العيوب أولى .‏ وهذا لأن الاستيفاء من الثمرات .‏ وفوت الثمرة لا يؤثر في العقد ألا ترى أنه لو لم يستوف لبخر أو ذفر أو قروح فاحشة لم يكن له حق الفسخ .‏ وإنما المستحق هو التمكن .‏ وهو حاصل بالشق أو الفتق -‏ انتهى .‏
وفي فقه المذاهب الأربعة ج ‏4 ص ‏189 طبعة ثانية:

 (‏ لا خيار للرجل بوجود عيب في بضع المرأة من رتق أو نحوه .‏ ولكن له الحق في إجبارها على إزالته بجراحة وعلاج كما أنه إذا يئس من علاجها فله مفارقتها بالطلاق في هذه الحالة ؛ لأن الزوجية قائمة على الاستمتاع .‏ وفي فراقها عند اليأس من العلاج بدون تشهير فيه رحمة بها )‏ -‏ انتهى -‏

 لما كان ذلك وكان المنصوص عليه شرعا أن عقد الزواج متى صدر مستوفيا أركانه وشروطه الشرعية المبسوطة في كتب الفقه انعقد صحيحا شرعا مستتبعا آثاره ونتائجه من حقوق وواجبات لكل من الزوجين قبل الآخر، ولا تتوقف صحته على صلاحية الزوجة للوطء .‏ كان عقد الزواج المسئول عنه قد انعقد صحيحا .‏
وترتبت عليه كل الآثار وإنما اكتشفه الزوج بزوجته من رتق وليس له إلا أن يعاشرها بمعروف أو يفارقها بطلاق اذا يئس من علاجها .‏
وبالتالى يكون لها جميع الحقوق الشرعية التى تترتب على هذا الطلاق ومنها مؤخر الصداق .‏ وبذا يكون قد علم الجواب عن السؤال .‏

والله أعلم .‏

[1] فتاوى الأزهر ـ بتاريخ 9 يناير 1984م