السؤال:

نحن نعلم أن الرسول ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ يمزَح ولا يقول إلا حقًّا، ولكن ما حكم المُزاح إذا لم يكن فيه صدْق خاصّة أنه يكون للتسلية والضَّحك، ولا يترتّب عليه شيء؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

ليس هناك مانع من أن يمزح المسلم مع إخوانه، أو مع أهله، بل قد يثاب على ذلك، ولكن بشرط أن يخلص النية فيه لله تعالى، وألا يمزح بما يخالف الشرع، أو يسقط المهابة، أو ما فيه سخرية من الآخرين.

يقول الدكتور رفعت فوزي رئيس قسم الشريعة الأسبق بكلية دار العلوم : روت عائشة عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنَّه قال: “إني لأمْزح ولا أقول إِلاّ حَقًّا”.
ومن مُزاحه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنّه دخل على عائشة ـ رضِيَ الله عنها ـ وعندها عجوز فقال: مَن هذه. قالت: هي من أخوالي فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن العُجُز لا تدخل الجنّة، فشقَّ ذلك على المرأة، فلما دخل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت له عائشة في ذلك، فقال: إن الله ـ عَزّ وجلّ ـ يُنشئهنَّ خلقًا غير خلقهِنّ.
وأتاه ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجل فقال احملني. يعني أعطني ناقةً أركبها وأحمل عليها أمْتعتِي. فقال له ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنّا حاملوك على ولدِ ناقة. فقال الشيخ: وما أصنعُ بولد الناقة. فقال: وهل تلِد الإبلُ إلا النوقَ.
والمُزاح هو الانبساط مع الغير من غير إيذاء له، وبهذا يفارق المُزاح الهَزْل والسُّخرية.
وهذا يشير إلى ما ينبغي أن يكون عليه المُزاح، ينبغي ألا يضحكَ الآخرين عن طريق السخرية بالناس أو ذكر بعض النقائص الخلقية أو الخلقيّة فيهم كما ينبغي ألا يكون فيه كذِب أو ترويع، أو كل ما يُؤذِي المؤمِن سواء أكان حاضرًا أو غائبًا.
وإذا كانت المداعَبة أو المزاح قد صدرَا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه لا يُنافِي الكمال، بل هو من توابِعه، ومُتمِّماته إذا كان ذلك جاريًا على القانون الشرعي، أي لا يَتنافى مع أدب الشرع ومُباحاتِه.
وذلك بأن يكون على وَفق الصدق والحقِّ، ويقصد تألُّف القلوب وجبرها وحُسْن المعاشرة وإدخال السرور والرِّفق، وهذا ما كان يفعله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمُزاحه.
وقال بعض العلماء: المَنهي عنه من المُزاح ما يحدث حقدًا أو يسقط المَهابة والوَقار، ويورث كثرة الضَّحكِ وقسوة القلب أو الإعراض عن ذكر الله تعالى، ومُزاحه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من جميع هذه الأمور، ويقع منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ على جهة النُّدْرة لمصلحة تامّة من مؤانَسة بعض نسائه أو أصحابه، فهو بهذا القصد سنّة؛ إذ الأصل في أفعاله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ وجوب أو نَدْب للتأسِّي به فيها إلا لدليل يمنع من ذلك.
وعلى هذا فلا بأس بالمزاح في حدود أدب الشَّرع ووقار المؤمن ورزانته، ومهابته ممّا سبق تفصيلُه.
والله أعلم