السؤال:

اختلاف المذاهب هل يعتبر خصيصة فاضلة لهذه الأمة، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة؟ وماذا نرد على المتعصبين لمذاهب بعينها ؟

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

لا شك أن المذاهب المعتبرة عند الأمة، كلها مدارس فقهية، وطرق لمعرفة أحكام الشريعة، وكلها على هدى وعلى خير في مجموعها وجملتها، لا في جميع جزئياتها وتفصيلاتها، وهي ـ من هذه الحيثية ـ متساوية في نسبتها إلى الشريعة الإسلامية، وبعبارة أخرى: إلى الكتاب الكريم والسنة المطهرة.
وأما من حيث التفصيل، فلا يوجد مذهب إلا وفيه مسائل يكون دليله فيها ضعيفا، ومأخذه غير مقنع، وهذا بمقتضى البشرية غير المعصومة، ولكن هذا لا ينقص من قيمة المذهب، ولا من قدر صاحبه، لأنه مأجور حتى على خطئه، ولأن الجميع مشتركون في ذلك.
قال الحافظ جلال الدين السيوطي في رسالته (جزيل المواهب في اختلاف المذاهب): اعلم أن اختلاف المذاهب في هذه الملة نعمة كبيرة، وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجُهَّال يقول: النبي صلى الله عليه وسلم جاء بشرع واحد، فمن أين مذاهب أربعة؟ ومن العجب أيضا: من يأخذ في تفضيل بعض المذاهب على بعض، تفضيلا يؤدي إلى تنقيص المُفَضَّل عليه وسقوطه، وربما أدى إلى الخصام بين السفهاء، وصارت عصبية وحمية جاهلية، والعلماء منزهون عن ذلك.. وقد وقع الاختلاف في الفروع بين الصحابة رضي الله عنهم، فما خاصم أحد أحدا، ولا عادى أحد أحدا، ولا نسب أحد أحدا إلى خطأ ولا قصور.
فعرف بذلك أن اختلاف المذاهب في هذه الأمة: خصيصة فاضلة لهذه الأمة، وتوسيع في هذه الشريعة السمحة السهلة .
ومع هذا وجدنا من أتباع المذاهب من يتعصب لمذهبه، ولمؤسس مذهبه وإمامه، ويحاول أن يفضله على غيره من الأئمة، وأن يلتمس له من النصوص الحديثية ما يبرر تفضيله وترجيحه، وهو تكلف لم يدعه صاحب المذهب لم يخطر على باله.
وأعجب من هذا وأغرب: أن تختلق أحاديث في فضل بعض الأئمة، وتحقير بعض آخر، والتنفير منه.
ومما يؤسف له: أن نجد بعض الكتب المهمة محشوة بأقاويل فجة في الطعن على بعض الأئمة، الذين لهم قبول في الأمة.
وذلك مثل كتاب (السنة) الذي ينسب إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل ففيه أقاويل عن الإمام أبي حنيفة، تقشعر من فظاعتها الأبدان. والحق أني لم أكد أصدق أن يشتمل كتاب من كتب السلف على هذا الهجوم السافر على رجل من أئمة الهدى، لم يؤسس مذهبه من فراغ، إنما أسسه على ميراث المدرسة المسعودية في الكوفة، وهي مدرسة كان فيها من جبال العلم، وأعلام الهدى، من لا يشك فيهم مسلم له صلة بالعلم الإسلامي، ثم هو لم يؤسس هذا المذهب وحده، بل أسسه معه أصحابه الكبار الذين كان كل منهم إماما برأسه، مثل أبي يوسف ومحمد صاحبيه، وزفر بن الهذيل، والحسن بن زياد اللؤلؤي وغيرهم، وهو أكثر المذاهب اتباعا في الأمة، يتبعه الأفغان والهنود والباكستانيون، والبنغاليون والأتراك وغيرهم من الجمهوريات الإسلامية في أواسط آسيا (أزبكستان وطاجكستان وكزاخستان وغيرها).
وقد كان المذهب السائد في طوال عصور الخلافة العباسية، والخلافة العثمانية.
فكيف ينتقص من إمام هذه المذهب، ويتهجم عليه، إلى هذا المستوى الذي قرأته ورأيته؟
وقد أورد الحافظ الخطيب البغدادي في كتابه (تاريخ بغداد) في ترجمة أبي حنيفة أقوال لم يكن لها ضرورة، تسيء إلى الإمام رضي الله عنه.. مما جعل العلامة التركي الحنفي الشيخ محمد زاهد الكوثري وكيل المشيخة الإسلامية في تركيا ينتقده بكتاب (تأنيب الخطيب على ما ساقه في شأن أبي حنيفة من الأكاذيب) وربما تجاوز فيه أيضا، فهذا الميدان إذا دخل الناس فيه أسرفوا وبغى بعضهم على بعض إلا من عصم ربك. وقليل ماهم.
ومما ذكروه في التعصب للأئمة قول العلامة الحنبلي أبي إسماعيل الأنصاري الهروي صاحب (ذم الكلام) و(منازل السائرين) وغيرها. حكى الذهبي في (الإعلام) عن محمد بن طاهر قال: سمعته ينشد على منبره:
أنا حنبلي ما حييت، فإن أَمُت فوصيتي للناس أن يتحنبلوا!
وحكى ذلك عن أبي عبد الله البوشنجي الشافعي في ترجمته أنه قال:
وإني حياتي شافعي، وإن أمت فتوصيتي بعدي أن يتشفعوا!!
ونقل عن القاضي عياض في ترجمته ، قوله عن الإمام مالك:
ومالك المرتضى لا شك أفضلهم إمام دار الهدى والوحي والسنن!
ولا يحضرني الآن ما قاله بعض الحنفية في هذا المجال. ولا أحسبهم نجوا مما وقع فيه هؤلاء. وما يمنع أحدهم أن يقول: فوصيتي للناس أن يتحنفوا؟!
ومما يأسى له المسلم أن يجد بعض العلماء الكبار، الذين لهم شأن عند الأمة، والذين تركوا وراءهم تراثا علميا عريضا، وذكرا حسنا في الآفاق، دخلوا في هذا النفق المظلم، واعتبروا مذهبهم هو الأحق من المذاهب الأخرى، وربما أداهم هذا إلى التطاول على الآخرين، والتنقيص من أقدارهم.
ومن هؤلاء: إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (ت478هـ) فقد ألف كتابا ـ ليته لم يؤلفه ـ سماه (مغيث الخلق في اختيار المذهب الأحق) حمل فيه على مذهب الحنفية، وأعلى من مذهب الشافعية، والشافعي عال بعلمه وفضله، وليس في حاجة إلى من يعليه. وما أظنه ـ رضي الله عنه ـ يرضى عن هذا التوجه الذي لا يليق بمنهجية الفضلاء من العلماء. هذا مع أن لإمام الحرمين كلمات تحمل كثيرا من الإنصاف للمخالفين، وقد أعلن رجوعه في مسائل الصفات عن التأويل إلى ما كان عليه سلف الأمة، كما في (العقيدة النظامية) ولكن سبحان من تفرد بالكمال، ومن خص رسوله بالعصمة.
وقد حاول بعض إخواننا من المعاصرين إنكار نسبة الكتاب إلى إمام الحرمين، وهيهات، ففي أواخر (البرهان) ما يدل عليه، وقد نسبه من بعده من الشافعية وغيرهم إليه. وآخرهم الحافظ السيوطي في رسالة (جزيل المواهب في اختلاف المذاهب).
وأخطر ما يذكر هنا: اعتبار تقليد الشافعي واجبا على طوائف الأمة كلها!! وللشافعية هنا استدلالات متكلفة لا ضرورة لها ولا مبرر.
ومن ذلك: استدلالهم بحديث ” الأئمة من قريش ” والشافعي هو الوحيد من بين الأئمة الأربعة الذي ينسب إلى قريش. ومع ما في صحة الحديث من كلام، فإن حمله على (الإمامة العلمية) خروج عن الظاهر، لأن الإمامة المقصودة في مثله من الأحاديث هي (رئاسة الدولة) كما تدل عليه أحاديث شتى. ولذا جاء في بعض الأحاديث ” الأمراء من قريش ” ولو صح هذا التأويل، فلماذا لا يحمل على من هم أعظم من الشافعي مثل سعيد بن المسيب ـ القرشي ـ وهو سيد التابعين، وأحد الفقهاء السبعة؟ بل لماذا لا يحمل على حبر الأمة وترجمان القرآن، عبد الله ابن عباس، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
وكنت أود من الإمام السيوطي أن يَثْبُت على ما قاله أولا من أن كل مجتهد على هدى، وكلهم على حق، فلا لوم على أحد منهم، ولا ينسب إلى أحد منهم تخطئة، وما قاله بعد ذلك في الرد على من تعصب من الحنفية وقال: إنه يجوز لغير الحنفي أن يتحول حنفيا، ولا يجوز للحنفي أن يتحول شافعيا أو غيره فقد ذكر السيوطي: أن هذا تحكم لا دليل عليه، وتعصب محض، فإن الأئمة كلهم في الحق سواء، ولم يرد حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمييز مذهب أبي حنيفة عن غيره .
ولكنه للأسف جره الرد على المتعصب الحنفي إلى أن يخرج عن منهجه الأول الذي قرره بوضوح، ليقول: وإن كان ولا بد من الترجيح، فمذهب الشافعي أولى بالرجحان، لأنه أقرب إلى موافقة الأحاديث. ومذهبه ابتاع الحديث، وتقديمه على الرأي .
وهذه دعوى تشترك فهيا كل المذاهب. وربما كان مذهب أحمد أولى بما قال من مذهب الشافعي، فهو أقرب إلى الأخذ بالأثر.
بل ربما كان مذهب داود وابن حزم من الظاهرية أكثر انطباقا على ما قاله السيوطي رحمه الله.
ومما شهدته من دلائل التعصب المذهبي غير البصير:
إصرار مفتي بعض الأقطار عند تعديل قوانينه الوضعية إلى قوانين إسلامية أن يؤخذ بمذهب مالك ـ وهو المذهب السائد في هذا القطر ـ دون غيره من المذاهب.
وكأن المعركة بين مذهب فقهي وآخر! إن المعركة بين الشريعة بمجموع مذاهبها وبين قوانين وضعية أرضية دخيلة لا يرضاها مالك ولا أبو حنيفة ولا الشافعي ولا ابن حنبل. ولا أي مذهب إسلامي كان أو يكون.
وليت شعري كيف وسع هذا الشيخ أن يغضي ويسكت أمام سيطرة القوانين الوضعية وطردها لكل مذاهب الفقه الإسلامي من ساحة التشريع والقتنين والقضاء، ويثور اليوم كالليث إذا أريد أن تستمد القوانين من سائر المذاهب الفقهية الإسلامية؟ بمعنى أن يؤخذ أرجحها وأليقها بتحقيق مقاصد الشرع ومصالح الناس في حياة مجتمعنا المعاصر؟
تفضيل المذاهب بعضها على بعض:
وأحسب أن من دلائل التعصب: تفضيل بعض المذاهب على بعض، تفضيلا ينقص من قدر المذاهب الأخرى، ويحط من شأنها.
وقد أنكر هذا بعض المحققين من علماء المذاهب أنفسهم، ولم يرضوا بمدح بعض المذاهب على حساب المذاهب الأخرى، وكلهم على حق، وعلى هدى من ربهم.
فمسألة (التفضيل) هذه آفة لدى بعض الناس، وقد غزت تفكير بعض الناس حتى شاعت بينهم هذه المفاضلات: المفاضلة بين الليل والنهار، والمفاضلة بين الصيف والشتاء، والمفاضلة بين الأرض والسماء.وانتهى آخرون من هذه المفاضلات إلى التفضيل بين الأنبياء والرسل بعضهم وبعض، مع قوله تعالى: (لا نفرق بين أحد من رسله) البقرة:285. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا تخيروني على يونس بن متى “.
قال ابن المنير: وقد ذكر قوم من أتباع المذاهب في تفضيل أئمتهم. وأحق ما يقال في ذلك ما قالت أم الكلمة عن بنيها: ثكلتهم إن كنت أعلم أيهم أفضل، هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها!
فما من واحد منهم إذا تجرد النظر إلى خصائصه إلا ويفنى الزمان حتى لا يبقى فيهم فضله لتفضيل على غيره.
وبين ابن المنير أن سبب ذلك إنما هو غلبة العادة، فلا يكاد يسع ذهن أحد من أصحابه لتفضيل غير مقلَّده. وفي ذلك جاءت الإشارة بقوله تعالى (وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها) الزخرف:489 يريد والله أعلم أن كل آية إذا جرد النظر إليها قال الناظر حينئذ: هذه أكبر الآيات، وإلا فما يتصور في آيتين أن تكون كل واحدة أكبر من الأخرى بكل اعتبار، وإلا لتناقض الأفضلية والمفضولية. والحاصل أن هؤلاء الأربعة انخرقت بهم العادة، على معنى الكرامة، عناية من الله بهم، فإذا قيسهم أحوالهم بأحوال أقرانهم كانت خارقة لعوائد أشكالهم.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام طيب في تفضيل بعض الناس بعض الأئمة على غيرهم، فقد سئل عمن قال عن الشيخ عبد القادر: إنه أفضل المشايخ، وعن الإمام أحمد: إنه أفضل الأئمة، فهل هذا صحيح أم لا؟
فأجاب رحمه الله بقوله:
أما ترجيح بعض الأئمة والمشايخ على بعض؛ مثل من يرجح إمامه الذي تفقه على مذهبه؛ أو يرجح شيخه الذي اقتدى به على غيره؛ كمن يرجح الشيخ عبد القادر، أو الشيخ أبا مدين؛ أو أحمد أو غيرهم: فهذا الباب أكثر الناس يتكلمون فيه بالظن وما تهوى الأنفس؛ فإنهم لا يعلمون حقيقة مراتب الأئمة والمشايخ، ولا يقصدون اتباع الحق المطلق، بل كل إنسان تهوى نفسه أن يرجح متبوعه فيرجحه بظن يظنه، وإن لم يكن معه برهان على ذلك، وقد يفضي ذلك إلى تحاجهم وقتالهم وتفرقهم، وهذا مما حرم الله ورسوله، كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون. ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون. ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم. يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) آل عمران:102-106، قال ابن عباس: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدع والفرقة.
فما دخل في هذا الباب مما نهى الله عنه ورسوله من التعصب والتفرق والاختلاف والتكلم بغير علم: فإنه يجب النهي عنه، فليس لأحد أن يدخل فيما نهى الله عنه ورسوله، وأما من ترجح عنده فضل إمام على إمام، أو شيخ على شيخ بحسب اجتهاده، كما تنازع المسلمون: أيهما أفضل: الترجيع في الأذان أو تركه؟ أو إفراد الإقامة أو إثناؤها؟ وصلاة الفجر بغلس أو الإسفار بها؟ والقنوت في الفجر أو تركه؟ والجهر بالتسمية؛ أو المخافتة بها؟ أو ترك قراءتها؟ ونحو ذلك. فهذه مسائل الاجتهاد التي تنازع فيها السلف والأئمة، فكل منهم أقر الآخر على اجتهاده، من كان فيها أصاب الحق فله أجران، ومن كان قد اجتهد فأخطأ فله أجر، وخطؤه مغفور له، فمن ترجح عنده تقليد الشافعي، لم ينكر على من ترجح عنده تقليد مالك، ومن ترجح عنده تقليد أحمد لم ينكر على من ترجح عنده تقليد الشافعي، ونحو ذلك.
ولا أحد في الإسلام يجيب المسلمين كلهم بجواب عام: أن فلانا أفضل من فلان، فيقبل منه هذا الجواب؛ لأنه من المعلوم أن كل طائفة ترجح متبوعها، فلا تقبل جواب من يجيب بما يخالفها فيه، كما أن من يرجح قولا أو عملا لا يقبل قول من يفتي بخلاف ذلك، لكن إن كان الرجل مقلدا فليكن مقلدا لمن يترجح عنده أنه أولى بالحق، فإن كان مجتهدا اجتهد واتبع ما يترجح عنده أنه الحق، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وقد قال تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) التغابن:16، لكن عليه أن لا يتبع هواه ولا يتكلم بغير علم، قال تعالى: (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) آل عمران:66 ،وقال تعالى: (يجادلونك في الحق بعد ما تبين) الأنفال:6.
وما من إمام إلا له مسائل يترجح فيها قوله على قول غيره، ولا يعرف هذا التفاضل إلا من خاض في تفاصيل العلم.
والله أعلم .


الوسوم: ,