السؤال:

ما رأى الشرع فيمن يقول إن الآيتين الأخيرتين من سورة التوبة مدسوستان على القرآن بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؟

الجواب:

كان القرآن مجموعا شفاها فى صدور الصحابة فى حياة الرسول ،‏ بل كان مكتوبا عندهم على صفائح الحجارة وأصول السعف الغلاظ وغيرها ،‏ ولم يفكر الصحابة فى جمع القرآن مباشرة بين دفتى كتاب بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إذ شغلتهم حركة الارتداد التى وقعت وما أعقبها من الحرب ،‏ ثم إلى أنهم كانوا مطمئنين إلى أن القرآن لا خوف عليه ،‏ لأن قراء القرآن وحفظته كانوا كثيرين ،‏ والقرآن نفسه مكتوب ومحفوظ فى بيوت أمهات المؤمنين .‏ لكن معركة اليمامة التى سقط فيها ألف شهيد بينهم نحو من أربعمائة وخمسين صحابيا من حفظة القرآن أمر اهتم له عمر بن الخطاب -‏ وهو أحد كتاب الوحى -‏ فمضى إلى أبى بكر يطالبه بجمع القرآن ،‏ ويظل به حتى يشرح الله صدره فيرسل إلى زيد بن ثابت أحد كتاب الوحى ويكلفه بهذه المهمة ويقول له :‏ إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك ، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه .‏ وكان قرار أبى بكر بجمع القرآن بين دفتى كتاب أعظم قرار فى تاريخ الدعوة والأمة ،‏ حفظ لها دستورها ،‏ ويقول عنه على -‏ رضى الله عنه -‏ أعظم الناس أجرا فى المصاحف أبو بكر -‏ رحمة الله على أبى بكر -‏ هو أول من جمع بين اللوحين .‏ وحرصا على ألا يكتب إلا ما هو صحيح تماما فإن أبا بكر لم يترك الأمر لزيد وحده بل أشرك معه عمر وكلفهما أن يستوثقا مما يأتيهما ،‏ فقال لعمر ولزيد :‏ اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شىء من كتاب الله فاكتباه .‏ والروايات التاريخية تضيف إلى عمر بن الخطاب وزيد فى مهمة جمع القرآن -‏ وهما من كتاب الوحى -‏ أسماء :‏ سالم بن معقل ،‏ وأبى بن كعب .‏ والمنهج الذى اتبعه زيد بن ثابت ومعاونوه فى جمع القرآن قد قال عنه الدكتور هيكل :‏ نستطيع أن نقول دون تردد : أنه اتبع طريقة التحقيق العلمى المألوفة فى عهدنا الحاضر ،‏ وقد اتبع هذه الطريقة بدقة دونها كل دقة . وأتم زيد ومعاونوه جمع النص القرآنى ،‏ ثم أودعت الصحف عند أبى بكر حياته ،‏ ثم عند عمر حياته ،‏ ثم عند حفصة بنت عمر أم المؤمنين .‏ وفى عهد عثمان -‏ رضى الله عنه -‏ وعلى التحديد عام ثلاثين للهجرة أخذت مهمة تعليم القرآن التى كانت موكولة إلى القراء تتعرض لخطر اختلاف القراءات باختلاف القراء المعلمين وقول كل منهم إن قراءته هى الأدق ومضى حذيفة بن اليمان الذى كان رفيق سعيد بن العاص فى فتح أذربيجان وأعلن عن تخوفه من أن يختلف الناس على القرآن وأنه سيذهب إلى الخليفة عثمان ليعرض عليه الأمر .‏ مضى حذيفة إلى عثمان فأخبره بما رأى وهو يقول :‏ أنا النذير العريان فأدركوا الأمة .‏ واستجابة للنذير العريان حذيفة قرر عثمان نسخ مصحف أمام فأرسل إلى حفصة يطلب منها المصاحف التى كان قد نسخها أبو بكر فأرسلتها ،‏ وأمر زيدا ليقوم بالمهمة التى قام بها أيام أبى بكر ،‏ وضم إليه عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص ،‏ وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ،‏ وقال لهم ،‏ إذا اختلفتم فاكتبوه بلسان قريش ففعلوا .‏ فلما نسخوا المصحف رد عثمان إلى حفصة نسختها ،‏ وأرسل إلى كل أفق بمصحف وحرق ما سوى ذلك . وما فعله عثمان كان محل الرضى من الأمة -‏ إلا ابن مسعود الذى عارض فى إحراق مصحفه لظنه أن زيدا قد انفرد وحده بالعمل -‏ وكان عمل عثمان -‏ رضى الله عنه – محل إجماع الأمة حتى قال على -‏ رضى الله عنه -‏ لما قدم الكوفة فقام رجل فعاب عمل عثمان فإذا على يقول : اسكت فعن ملأ منا فعل ذلك ولو وليت منه ما ولى عثمان لسلكت سبيله .‏

والصحيح فى الآيتين الأخيرتين من سورة التوبة أنهما من كلام الله وأنهما كانتامحفوظتين فى صدور الصحابة ولم تكونا مكتوبتين وقت جمع القرآن إلا عند واحد فقط من الصحابة شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن شهادته تعدل شهادتين وهو خزيمة الأنصارى

والله أعلم