السؤال:

هل البيع والشراء عن طريق التقسيط جائز ؟ وما الفرق بينه وبين الربا ؟ وهل يجيز الإسلام التعامل بالتقسيط وبخاصة لهؤلاء الناس الذين يسرفون في المباح ويكبلون أنفسهم بالديون ؟

الجواب:

بسم الله ، والصلاة، والسلام على رسول الله، وبعد

الصحيح أن الزيادة في الثمن مقابل التسهيل في الدفع أمر جائز شرعا، وهو ما ذهبت إليه المذاهب الأربعة، وما كان الإسلام ليمنع  عقدا فيه منفعة للناس، وليس فيه ضرر عليهم، كما أنه يتمشى مع ما تقرره العقول، وتؤيده النظريات الاقتصادية من أن للزمن أثره على النقود بشرط أن يكون ذلك في ظل معاملة ليس فيها محظور شرعي، ومن الشروط المهمة لجواز هذا البيع أن يتفق الطرفان عند العقد على مدة التأجيل،وكيفية السداد،والثمن الإجمالي .

هذا من حيث الأصل غير أن الشريعة الإسلامية وروحها العامة لاتحبذ للمسلم أن يعيش رهن الدين، وأن يغرق نفسه بالديون من أجل  الكماليات التي كان من الممكن أن يحيا بدونها دون أن يتأثر بشيء، وفرق بين الحكم الشرعي الذي يجيز المعاملة من حيث الأصل فهي من المباحات وبين أن يسرف المسلم في استعمال المباح حتى يقع في الحرام.  

يقول الدكتور حسام الدين عفانه أستاذ الفقه وأصوله بجامعة القدس:-

ظن كثير من الناس أن وجود فرق في السعر بين البيع بثمن حال والبيع الى أجل بسعر أعلى من الأول يعتبر من باب الربا المحرم.

ولدفع هذه الشبهة لا بد من تفصيل القول في حكم زيادة الثمن مقابل الأجل وقد تعارف الناس على تسمية البيع الذي يشمل زيادة الثمن مقابل الأجل بيع التقسيط.

وصورته أن يتفق البائع والمشتري على بيع سلعة ما بثمن معلوم يفرق على أقساط معلومة ومن المعروف أن ثمن السلعة إذا بيعت بالتقسيط يكون أعلى من ثمنها إذا بيعت حالاً.

وقد اختلف الفقهاء في حكم زيادة الثمن نظير الأجل على قولين:-

القول الأول: لا تجوز الزيادة في الثمن نظير الأجل والزيادة تعتبر من باب الربا المحرم وبهذا قال زين العابدين بن علي بن الحسين والناصر، والمنصور من الهادوية والإمام يحي. وبه قال أبو بكر الجصاص الحنفي .

القول الثاني: تجوز الزيادة في الثمن نظير الأجل وهذا مذهب جمهور الفقهاء بما فيهم فقهاء المذاهب الأربعة ونقل عن جماعة كبيرة من السلف وبه قال كثير من العلماء المعاصرين.

قال ابن قدامة: : (وقد روي عن طاووس والحكم وحماد أنهم قالوا: لا بأس أن يقول: أبيعك بالنقد كذا وبالنسيئة كذا فيذهب إلى أحدهما.

وهذا محمول على أنه جرى بينهما بعد ما يجري في العقد فكأن المشتري قال: أنا آخذه بالنسيئة كذا فقال : خذه. أو رضيت ونحو ذلك. فيكن عقداً كافيا

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في جوابه على سؤال حول البيع إلى أجل (….. وإذا باعه إياه بالقيمة إلى ذلك الأجل فإن الأجل يأخذ قسطاً من الثمن)

وقال الإمام الترمذي صاحب السنن: (إذا قال البائع: أبيعك هذا الثوب بنقد عشرة وبنسيئة بعشرين فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس إذا كانت العقدة على واحد منهما) انتهى.

وقد احتج الجمهور على قولهم بجواز زيادة الثمن مقابل الأجل بأدلة كثيرة منها:

1- قوله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) وهذه الآية الكريمة عامة تشمل بعمومها البيع بثمنين أحدهما مؤجل أعلى من الآخر.

2- وقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) قالوا: إن من أعمال التجارة البيع بالنسيئة ولا بد من أن تكون له ثمرة ،وتلك الثمرة داخلة في باب التجارة ، وليست داخلة في باب الربا ، والرضا ثابت ؛لأن البيع المؤجل طريق من طرق ترويج التجارة.

3- وقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) : فالتقسيط في الثمن لا حرج فيه إذا كانت الأقساط معروفة والآجال معلومة للآية.

4- واحتجوا بما ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت بريرة فقالت: أني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني…)

قال الشيخ ابن باز معلقاً على هذا الحديث:- (ولقصة بريرة الثابتة في الصحيحين فإنها اشترت نفسها من سادتها بتسع أواق في كل عام أوقية وهذا هو بيع التقسيط ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بل أقره، ولم ينه عنه، ولا فرق في ذلك بين كون الثمن مماثلاً لما تباع به السلعة نقدا،ً أو زائداً على ذلك بسبب الأجل .

5- واحتجوا بما روي في الحديث عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشاً فنفذت الإبل فأمره أن يأخذ في قلاص- أي إبل- الصدقة فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة)، فهذا الحديث واضح الدلالة على جواز أخذ زيادة على الثمن نظير الأجل.

6- واستدل الجمهور بالمعقول فقالوا: إن الأصل في الأشياء والعقود والشروط الإباحة متى ما تمت برضا المتعاقدين الجائزي التصرف فيما تبايعا، إلا ما ورد عن الشرع ما يبطله، ولما لم يرد دليل قطعي على تحريم البيع بالتقسيط، فيبقى على الأصل وهو الإباحة، ومن ادعى الحظر فعليه الدليل، بل قد ورد العكس من ذلك فقد نص الشارع على الوفاء بالعهود والشروط والمواثيق، وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأموراً به علم أن الأصل صحة العقود والشروط، إذ لا معنى للصحيح إلا ما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده، ومقصود العقد هو الوفاء به، فإذا كان الشارع قد أمر بمقصود العقود، دل على أن الأصل فيها الصحة والإباحة..

وبعد هذا العرض الموجز أرى رجحان مذهب الجمهور في جواز الزيادة نظير الأجل .

رأي مجمع الفقه الإسلامي في البيع بالتقسيط

لقد ناقش مجمع الفقه الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي هذا الموضوع، وقرر بعد المناقشة جواز البيع بالتقسيط مع إقرار بعض الضوابط التي تضمن سلامة العقد حتى لا يقع العاقدان في الربا، وهذا هو نص القرار :-

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17- 23 شعبان 1410 هـ الموافق 14 – 20 آذار (مارس) 1990م،

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع البيع بالتقسيط ، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله ،

قرر ما يلي : –

أولاً :تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال، كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقداً، وثمنه بالأقساط لمدد معلومة، ولا يصح البيع إلا إذا جزم العاقدان بالنقد أو التأجيل . فإن وقع البيع مع التردد بين النقد والتأجيل بأن لم يحصل الاتفاق الجازم على ثمن واحد محدد، فهو غير جائز شرعاً .

ثانياً :لا يجوز شرعاً، في بيع الأجل، التنصيص في العقد على فوائد التقسيط، مفصولة عن الثمن الحال، بحيث ترتبط بالأجل، سواء اتفق العاقدان على نسبة الفائدة أم ربطاها بالفائدة السائدة .

ثالثاً :إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق أو بدون شرط، لأن ذلك ربا محرم .

رابعاً :يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعاً اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء .

خامساً :يجوز شرعاً أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها ، عند تأخر المدين عن أداء بعضها، ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد .

سادساً :لا حق للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة.

– ضوابط وشروط صحة البيع بالتقسيط

وقد وضع بعض الباحثين  شروطا لجواز وصحة البيع بالتقسيط وإليك أهمها  كما ذكرها الشيخ سليمان بن تُركي التُركي – من علماء السعودية-في كتابه بيع التقسيط وأحكامه.

أولاً :بيع التقسيط هو ( عقد على مبيع حال ، بثمن مؤجل، يؤدَى مفرقاً على أجزاء معلومة ، في أوقات معلومة ) وبين التقسيط والتأجيل علاقة عموم وخصوص مطلق ، فكل تقسيط تأجيل ، وقد يكون التأجيل تقسيطاً وقد لا يكون ، فالتأجيل هو الأعم مطلقاً .

ثانياً:يشترط لبيع التقسيط – فوق الشروط العامة للبيع – جملة من الشروط . هي كالتالي :

الشرط الأول : أن لا يكون بيع التقسيط ذريعة إلى الربا . وأبرز الصور التي يتحقق فيها التذرع بالتقسيط إلى الربا : بيع العينة.

الشرط الثاني : أن يكون البائع مالكاً للسلعة . فلا يجوز أن يقدم البائع على بيع سلعة ليست مملوكة له ، على نية أنه إذا أتم العقد مع المشتري ، اشتراها وسلمها بعد ذلك .

أما طلب شراء السلعة من شخص ليست عنده ليقوم بتملكها ومن ثم بيعها على طالبها بربح ، فجائز إن كان المأمور يشتري لنفسه ويتملك ملكاً حقيقياً ، ومن غير إلزام للآمر بتنفيذ ما وعد به من شراء السلعة.

الشرط الثالث : أن تكون السلعة مقبوضة للبائع .فلا يكفي تملك البائع للسلعة التي يرغب في بيعها بالتقسيط ، بل لا بد من قبض السلعة المراد بيعها بالتقسيط القبض المعتبر لمثلها قبل التصرف فيها بالبيع ، أياً كانت تلك السلعة طعاماً أو غيره.

الشرط الرابع : أن يكون العوضان- أي الثمن والسلعة- مما لا يجري بينهما ربا النسيئة . وذلك للتلازم بين بيع التقسيط وبين الأجل الموجب لانتفاء الاشتراك في علة الربا.

الشرط الخامس:  أن يكون الثمن في بيع التقسيط ديناً لا عيناً . لأن الثمن في بيع التقسيط لا يكون إلا مؤجلاً ، والأجل لا يصح دخوله إلا على الديون التي تقبل الثبوت في الذمة ، دون الأعيان.

الشرط السادس : أن تكون السلعة المبيعة حالة لا مؤجلة . لأن المبيع إذا أجل– مع أن الثمن مؤجل أصلاً – فقد تحقق كون ذلك من بيع الكالئ بالكالئ . وهو منهي عنه.

الشرط السابع : أن يكون الأجل معلوماً . فلا بد من بيان عدد الأقساط ، ووقت أداء كل قسط ، ومدة التقسيط كاملة ، يحدد هذا تحديداً منضبطاً لا يحصل معه نزاع بين الطرفين.

الشرط الثامن : أن يكون بيع التقسيط منجزاً . فلا يصح تعليق عقد البيع على أداء جميع الأقساط ، بل لا بد أن يتم البيع بصورة منجزة ، تترتب عليه جميع الآثار المترتبة على عقد البيع فور صدوره.

ثالثاً:تجوز زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال في بيع التقسيط ، في قول جماهير أهل العلم من السلف والخلف ، من غير مخالف يعتد بخلافه . بل قد حكى بعض أهل العلم الإجماع على جواز أن الثمن المؤجل أزيد من الثمن الحال. ومع ذلك فقد وجد من شذ في هذه المسألة ، ورأى تحريم زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال ، لاشتباه هذه الزيادة عليه بالربا . تبين من خلال البحث شذوذ هذا الرأي وضعف أدلته .

رابعاً:يجوز الحط من الدين المؤجل مقابل تعجيل الأداء . فيسوغ لمن أدى الأقساط قبل زمن حلولها أن يطالب بالحط عنه من الثمن بقدر ما زيد أصلاً مقابل تلك المدة الملغاة.

خامساً:لا يجوز إلزام البائع بقبول الأقساط المعجلة ، التي سوف يترتب على قبوله لها حط من الثمن ؛ لأن في ذلك إضرارا به ، فهو لم يقصد من البيع بالتقسيط إلا هذه المصلحة ، والأجل حق لهما فلا يستبد أحدهما بإسقاطه.

سادساً:يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من أقساط ، ومع ذلك فلا يجوز فرض تعويض مالي على المدين المماطل مقابل تأخير أداء الدين.

سابعاً:يجوز اشتراط حلول بقية الأقساط بتأخر المدين الموسر في أداء بعضها .

ثامناً :لا يجوز أن يتم العقد في بيع التقسيط على عدة آجال لكل أجل ثمنه ، كأن يتم التعاقد على بيع سيارة إلى سنة بمائة ألف ، وإلى سنتين بمائة وعشرين ، وإلى ثلاث بمائة وثلاثين . بل لا بد أن يكون الثمن والأجل واحداً باتاً من أول العقد .

تاسعاً :لا يجوز للبائع المطالبة بالثمن قبل حلول الأجل ، كما لا يعد المشتري مماطلاً لو امتنع من أداء الأقساط قبل حلولها . ولا حق للبائع في المطالبة إلا بانقضاء الأجل وبلوغ غايته ، أو باتفاق المتعاقدين على إسقاطه .

عاشراً:إذا مات المشتري بالتقسيط قبل أداء جميع الثمن فإن ديونه لا تحل بموته ، إذا وثق الورثة ذلك الدين برهن أو كفيل . فإن حل الدين لعدم توثيقه فلا بد من الحط منه بمقدار ما زيد فيه للمدة الباقية التي عجلت أقساطها .

حادي عشر:لا تحل الديون المؤجلة والأقساط المتبقية لإفلاس المشتري ، وإنما يقسم مال المفلس بين أصحاب الديون الحالة ، وتبقى الديون المؤجلة في ذمة المدين إلى وقت حلولها .

ثاني عشر :تنتقل ملكية المبيع للمشتري ، وملكية الثمن للبائع فور صدور عقد بيع التقسيط ، وبناء عليه فلا يجوز للبائع حبس السلعة لاستيفاء ثمنها المؤجل ، ولو اشترط البائع ذلك فإن العقد يكون فاسداً .

ثالث عشر:إذا أفلس المشتري وفي يده عين مال ثمنها مؤجل ، فالبائع أحق بسلعته من بقية غرماء المشتري أصحاب الديون الحالة ، فتوقف السلعة المبيعة إلى حلول الدين وانقضاء الأجل ويخير البائع- إن استمر الحجر حينئذ- بين أخذ السلعة ، أو تركها ومحاصة الغرماء . كل ذلك بشرط أن لا يكون البائع قد قبض من ثمن السلعة شيئاً ، وأن يكون المشتري حياً .

رابع عشر:يجوز للبائع اشتراط رهن المبيع على ثمنه – رهناً حيازياً أو رسمياً – ، لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة .

خامس عشر:لا يجوز اشتراط كون المواعدة السابقة لعقد البيع بالتقسيط ملزمة للطرفين ؛ لأن الإلزام بالوعد يصيره عقداً ، ولأن الإلزام السابق يجعل العقد اللاحق عن غير تراضٍ.

والله أعلم