السؤال:

ما حكم الزوج الذي يمنع زوجته من السفر ؟ وهل يجوز للزوجة أن تسافر بدون إذنه إذا تعسف في منعها ؟ حيث إن بعض الكُتَّاب يُرددون إسقاطَ حق الزوج في منع زوجته من السفر، ويطالبون بتعديل القرارات التي تُجيز للزوج الحقَّ في منع سفر زوجته إلى الخارج، وتُرَدِّد بعضُ السيدات أن بعضَ الأزواج يَستخدم حقَّه بشكل فيه إساءة استعمال هذا الحق للإضرار بزوجاتهم، خاصة إذا كانت الزوجة تريد السفر للدراسة أو للعلاج ، كما ترى بعضُ السيدات أن السماح للمرأة بالسفر إلى الخارج دون وجود قيود من جانب الزوج من شأنه هدم كيان الأسرة ، فهل هناك ضوابط شرعيّة في ذلك ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإنه لا بد للزوجة من إذن الزوج لها بالخروج أو السفر ، وقد يكون إذن الخروج عاما تخرج به متى احتاجت للخروج ، أما السفر فلا بد من إذن خاص، فإذا ما أذن لها سافرت مع محرم أو رفقة مأمونة ـ على الراجح ـ ، فإن تعسف في منعها وكانت في حاجة ملحة للسفر فلها أن ترفع أمرها للقضاء لتحصل على إذن بالسفر ، وعلى القضاء تعجيل البت في أمرها.

يقول الأستاذ الدكتور نصر فريد واصل، مفتي مصر :

قال الله تعالى في كتابه العزيز: (ولَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيهِنَّ بالمعروفِ وللرجالِ عليهنَّ درجة) (البقرة: 228).
فالأساس الذي وضعه الإسلام للتعامل بين الزوجين وتنظيم الحياة الزوجية بينهما فطريّ وطبيعيّ، فالرجل أقدر على العمل والكَدْح والكسب خارج المنزل، والمرأة أقدر على تدبير المنزل، وتربية الأولاد، وتيسير أسباب الراحة والطمأنينة المنزلية. فيُكَلَّف الرجلُ بما هو مُناسِب له، وتُكَلَّف المرأةُ بما هو من طبيعتها، وبهذا ينتظم البيت من ناحية الداخل والخارج.

والإسلام أعطى الزوج الحق في أن يكون هو المسؤول عن البيت ومسؤول عن زوجته وأولاده ومسؤول عن الإنفاق عليهم لقوله تعالى: (الرجالُ قَوَّامونَ على النساءِ بما فَضَّلَ اللهُ بعضَهم على بعضٍ وبما أنْفَقوا مِن أموالِهم) (النساء: 34) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلكم راعٍ وكلُّ راعٍ مسؤولٌ عن رعيته.. ” فالزوج وهو رَبُّ الأسرة هو المسؤول عنها.

وإن الإسلام نَظَّم حقوقًا على الزوج لزوجته، وهذه الحقوق منها حقوق مالية، وهي المَهْر والنفقة، وحقوق غيرُ مالية، وهي عدم الإضرار بالزوجة والمعاملة بالمعروف، وأوجب على الزوجة حق الطاعة ، ولكنه مُقَيَّد بالمعروف “فإنه لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق” فلو أَمَرَها بمعصية وجب عليها أن تخالفه.

ومن طاعتها لزوجها ألا تصوم نافلة إلا بإذنه، وألا تحج تطوعًا إلا بإذنه، وألا تَخْرج من بيتها إلا بإذنه، هذا بخلاف زيارة أبوَيها فلها أن تزورَهما حسَب العُرْف والعادة المشروعَيْن ولو لم يأذَن لها؛ لأن ذلك من صلة الرَحِم الواجبة التي أوجبها الإسلام.

فإذا ما استعمل الزوج حقَّه في أنها لا تسافر إلا بإذنه، وأساء استعمالَ هذا الحق وكان مُتعسّفًا وألحَق ضررًا بزوجته، فيكون آثمًا شرعًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا ضَرَرَ ولا ضِرار” ولها الحق أن تلجأ للقضاء لمنع هذا الضرر عنها بمُقْتضى هذا التعسف غيرِ المشروع من الزوج، ولها أن تطلب الإذن لها من القاضي بالسفر؛ لأن القاضيَ وليُّ من لا وليَّ له شرعًا.

والمبادئ الإسلامية التي أَقَرَّتْها الشريعة ونَظَّمَتْها هي الواجبةُ الاتباعُ في جميع الأحوال، ومن ضمنها أيضًا قوله تعالى: (فمَنْ اضطُرَّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليه إنَّ اللهَ غفورٌ رحيم) (البقرة: 173) وقوله تعالى: (ولا تُلْقوا بأَيْديكم إلى التَّهْلُكَةِ وأَحْسِنُوا إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسنين) (البقرة: 195). وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “طَلَبُ العلمِ فريضةٌ على كل مسلمٍ ومسلمة”.

ومن هذه المبادئ يتضح الآتي جوابًا عن المسؤول عنه:

1 ـ فبالنسبة لخروج الزوجة لطلب العلم، فالقاعدة العامة تُقَرِّر أن عَقْد الزواج شريعة المُتعاقدَين، وبمقتضى هذا العقد يترتب عليه حقوق وواجبات مُتبادَلة بالنسبة لكلا الزوجين. وبمقتضى هذا العقد فإن الزوجة مُحْتَبَسَة لحق الزوج في مقابل الإنفاق عليها بجميع أنواعه التي تجب عليه، وعليها الطاعة والاحتباس له في مقابل ذلك، وهذا هو الأصل، لكن يجوز اشتراط الزوجة لنفسها في عَقْد الزواج من الإذن ما يُحِلُّه الله، كخروجها لطلب العلم أو العمل، فإذا ما وافق الزوج على هذا الشرط يلتزم به ويجب عليه الوفاء به، لقوله تعالى: (يا أيُّها آمنوا أوْفُوا بالعقود).

وهذا الشرط إما أن يكون صريحًا أو ضمنًا، فالصريح هو المذكور بالعقد ولا يحتاج إلى إذن جديد.

أما الضمنيّ فكما إذا تزوجها وهي تعمل أو كانت طالبة، ومُدَوَّن بالعقد أنها تعمل، ولم يشترط الزوج في العقد عدم خروجها للعمل أو للعلم إلا بإذنه، أو المنع من العمل والاحتباس في منزله لطاعته، وكان العلم الذي ستسافر إليه مفروضًا عليها، وفيه نفع للصالح العام، ولم يكن فيه إضرار بالأسرة أو المجتمع، فإنه بمقتضى هذا الإذن الضمنيّ يكون لها حق الخروج للعمل بدون إذنه؛ لأن الإذن في هذه الحالة ضمنيّ وعُرْفيّ، والمعروفُ عُرْفًا كالمشروط شرطًا، يجب الوفاء به شرعًا.

فإن مَنَعَ هذا الإذنَ كان متعسفًا في استعمال الحق، فلها أن تلجأ إلى القاضي لمنع الضرر عنها بمقتضى هذا التعسف وطلب الإذن بالخروج أو السفر من القاضي؛ وذلك لأن القاضيَ وليُّ من لا وليَّ له. وإذنُ القاضي رخصةٌ قائمة على الضرورة الشرعية، والرخصة والضرورة تُقَدَّر بقَدْرها.

وبناءً على ذلك فلها أن تَخرج لاستكمال تعليمها بناءً على الإذن الصريح أو الضمنيّ، بشرط ألا يترتب على ذلك ضررٌ شديد بالحياة الزوجية يُؤثر على كيان الأسرة.

2 ـ أما بالنسبة لسفر الزوجة للعلاج في الخارج فنفيد بالآتي:

إذا لم يوجد طبيب مُعالِج ثقة له الخبرة والدراية في علاجها في مَحَل إقامتها، وقرَّر الأطباء المتخصصون أنه لا علاج لها داخل البلاد، وأن هناك ضرورةً قُصوى وأمرًا مُحَتِّمًا لسفرها للعلاج خارج البلاد، فلا مانع من سفرها شرعًا مع مَحْرَم أو جمع ثقاة للعلاج حتى لا تتعرض للتَّهْلُكة، لقول الله تعالى: (ولا تُلْقُوا بأيديكم إلى التَّهْلُكة) ولأن القاعدة الشرعية العامة تُقَرِّر أن الضروراتِ تُبيح المَحْظورات، ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “تَدَاوَوْا عبادَ اللهِ فإنَّ اللهَ لم يَضَعْ داءً إلا وَضَعَ له دواء” والضرورة تُقَدَّر بقَدْرها.

فإن لم يأذن الزوج لزوجته لسفرها للعلاج وهي في هذه الحالة كان متعسفًا في استعمال حقه الشرعيّ، فلها أن تلجأ إلى القضاء المُخْتَصّ لطلب الإذن من الزوج أو الحكم به من القاضي لإزالة الضرر عنها؛ لأنه لا ضَرَرَ ولا ضِرار في الإسلام.

ومما ذُكِرَ يُعْلم الجواب عما جاء بالسؤال إذا كان الحال كما ورد به.

والله سبحانه وتعالى أعلم.