السؤال:

أعمل بإحدى المصالح الحكومية التي تتعامل مع الناس مباشرة، وكثيرًا ما تُعْرَض عَلَيَّ إكرامياتٌ بعد إنجاز العمل تمامًا، فأرفُضُها رفضًا باتًّا؛ لأنِّي أعدُّها من المشتبهات، وقد سمعت مَنْ أفتى بجواز أخذِ الإكراميات إذا لم تَكُنْ من أجلِ إنجازِ العمل أو من أجل إزالة العَرَاقيل، فما الحُكْمُ الذي تستريح إليه نفسي؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد:

 

حث الإسلام على إتقان العمل،وجعل من علامات الإيمان الصادق أن يقوم الموظف أو العامل بعمله على أكمل وجه، فقال صلى الله عليه وسلم : (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).

 
ومادام العامل يأخذ أجرًا على عمله ،فليس له أن يأخذ شيئًا ممن يقوم لهم بأداء هذا العمل من المواطنين ، وقد أباح بعض الفقهاء أنه لا مانع من إعطاء الموظف شيئًا بعد أداء العمل شريطة ألا يكون قد

طلب هذا ، لييسر العمل،ولا يدخل هذا في نطاق الرشوة المحرمة .
يقول الدكتور عبد الرازق فضل وكيل كلية اللغة العربية بالأزهر :

 
فالذي يتصل عملُه بقضاء مصالح الناس عليه أنْ يستشعِرَ ثِقَل الأمانة التي أُوكِلَت إليه، وعليه أن يعمل جُهْدَه في قَضَاء مصالِحِ النَّاس، وعليه أنْ يَعْلَمَ أنَّ المال الذي يأتيه من وراءِ إنجاز عمله اليوم يُقْسّي

قَلْبه على أصحاب الأعمال في الغَدِ، فيسعى في إنجازِ حاجة مَنْ يُعْطِي، ويسوِّف ويُعَرْقِل وربَّما يضيّع حاجة مَنْ لا يعطي، عليه أنْ يعلمَ أنَّ هذا المَال سُحْتٌ، وأنَّه منزوعة منه البركة، وأنه يأتي يوم

القيامة حاملًا على رَقَبَتِه ما أخذه من الناس (ومَنْ يَغْلُلْ يَأتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)

 

 

وحديثُ ابن اللُّتبيَّة الذي ينهاه النبيُّ ـ عليه السلام ـ عن ذلك بقوله: “ما بال العامِلِ نَبْعَثُه على عَمَلٍ فيقول: هَذَا لكم وهذا أُهْدِيَ إلَيَّ. أفلا جَلَسَ في بيت أبيه وأمِّه فينظر أيُهْدَى إليه أم لا‍! والذي نَفْسُ

محمَّدٍ بيدهِ لا يأتِي أحدكم منها بشيءٍ إلَّا جاء بِه يومَ القيامة على رقَبَتِه، وإنْ بعيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أو بَقَرَةً لَها خُوَارٌ، أو شَاةً تَيْعَر” ثم رفع يديه حتى رأى الحاضرون بياضَ إبطيه ثمَّ قال: اللهمَّ هَلْ بَلَّغْتُ!” ثلاثًا.

 

 

قال أبو حميد راوي الحديث: بَصُرْتُه بعيني وسَمِعْتُه بأذني، واسألاَ زيد بن ثابت. أخرجه البخاريّ ومسلم.

 

و كثيرًا ما يجد الواحد منَّا موظَّفًا أمينًا يُنجز له مصلحتَه بأسرعَ وأحسنَ وأتمَّ ما يكون، دون أن يطلب شيئًا أو يلوِّح بطلب شيءٍ، وتراه وهو يصنع ذلك باشَّ الوجه ودودًا في المعاملة، فيبادر صاحب الحاجة

 

 

إلى أنْ يَرُدَّ إحسانَه بإحسانٍ، فيعطيَه قَدْرًا من المال، لا على أنَّه رِشْوة ولا على أنه إِتَاوَة ولا على أنَّه مساهمة في أكل أموال الناس بالباطل، مثلُ هذا إذا لم يكن الموظف المُعْطَى له منتظرًا له ولا

واضعًا ذلك في حُسْبَانه ليس من قَبِيل الغُلُولِ بل هو من قَبِيل العَطَاء، وسَنَدِي في ذلك ما أخرجه الإمام أحمد وأبو يَعْلَى والطبريّ عن خالدٍ بن عُدَيٍّ الجُهَنِي قال: سمعتُ رسول الله ـ صلى الله عليه

وسلم ـ يقول: “مَنْ بَلَغَهُ معروفٌ عن أخيه من غير مسألةٍ ولا إشرافِ نَفْسٍ فليقبله ولا يردّه، فإنَّمَا هو رزقٌ سَاقَهُ الله إليه”.

 
فالمُعَوَّل عليه في هذا الأمر هو: لماذا يُعْطِي المُعْطِي، وكيف يجد المُعْطَى له نفسَه.

 

وأمَّا أنتَ ـ يا أيها الأخ الكريم ـ فإني أحيِّي فيكَ قناعتَكَ ورضَاكَ بما قَسَمَ الله لَكَ وَوَرَعَكَ، وأسألُ الله لي ولك التوفيق والفلاح.

 
والله أعلم