السؤال:

هل يجب على من اغتاب مسلماً وأراد أن يتوب إلى الله أن يتحلل ممن اغتابه ؟ أو هل يذكر له ما قاله فيه من وراء ظهره ؟ وإذا رأى أن ذكره لما تكلم به في حقه قد يؤدي إلى غضبه ونفوره ، فهل يجب عليه والحالة هذه أن يذكر له ذلك ، أم يكتفي بأن يتحلل منه دون ذكر ما قال فيه ؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
الواجب على المغتاب أن يندم ويتوب إلى الله ، ويتأسف على ما فعله ليخرج به من حق الله سبحانه، ولكن هل يجب عليه أن يذهب إلى من اغتابه ويخبره أم لا ؟
اختلف العلماء في هذا ،والراجح ألا يذهب لأن ذلك قد يؤدي إلى ضرر أكبر ومفسدة عظيمة وقد تحدث بينهما فرقة بسبب ذلك قلما يصفو بعدها.
يقول فضيلة الشيخ محمد المحمود النجدي من علماء المملكة العربية السعودية :
الراجح – والله أعلم – أنه لا يعلمه بأنه قد اغتابه إذا لم يكن يعلم ، بل يكفيه أن يستغفر من ذنبه ، وأن يستغفر لأخيه في مقابل ما حصل منه من غيبته له وإيذاء له .
وهذه أقوال العلماء في ذلك :
قال النووي رحمه الله في كتابه ( الأذكار 2/845 باب كفارة الغيبة والتوبة منها ) :
اعلم أن كل من ارتكب معصية لزمه المبادرة إلى التوبة منها ، والتوبة من حقوق الله تعالى يشترط فيها ثلاثة أشياء :
أن يقلع عن المعصية في الحال .
وأن يندم على فعلها .
وأن يعزم ألا يعود إليها .
والتوبة من حقوق الآدميين يشترط فيها هذه الثلاثة ورابع ، وهو : رد المظلمة إلى صاحبها ، أو طلب عفوه عنها ، والإبراء منها .
فيجب على المغتاب التوبة بهذه الأمور الربعة ؛ لأن الغيبة حق آدمي ، ولابد من استحلال من اغتابه .
وهل يكفيه أن يقول : قد اغتبتك فاجعلني في حلٍّ ، أم لابد أن يبين ما اغتابه فيه ؟
فيه وجهان لأصحاب الشافعي رحمهم الله :
أحدهما : يشترط بيانه ، فإن أبرأه من غير بيانه ، لم يصح كما لو أبرأه عن مال مجهول .
والثاني : لا يشترط ، لن هذا مما يتسامح فيه ، فلا يشترط علمه ، بخلاف المال .
والأول أظهر ؛ لأن الإنسان قد يسمح بالعفو عن غيبة دون غيبة .
فإن كان صاحب الغيبة ميتاً أو غائباً ، فقد تعذر تحصيل البراءة منها ، لكن قال العلماء : ينبغي أن يكثر الاستغفار له ، والدعاء ، ويكثر من الحسنات .
واعلم أنه يستحب لصاحب الغيبة أن يبرئه منها ، ولا يجب عليه ذلك لأنه تبرع وإسقاط حق ، فكان إلى خيرته ، ولكن يستحب له استحباباً متأكد الإبراء ، ليخلص أخاه المسلم من وبال المعصية ، ويفوز هو بعظيم ثواب الله تعالى ومحبة الله سبحانه وتعالى . انتهى وهو قول الشافعي
وقال ابن مفلح في الآداب الشرعية ( 1/92 ) : وقيل إن علم به المظلوم وإلا دعا له واستغفر ولم يعلمه ، وذكر الشيخ تقي الدين أنه قول الأكثرين .
وذكر غير واحد : إن تاب من قذف إنسان أو غيبة قبل علمه به هل يشترط لتوبته إعلامه والتحلل منه ؟ على روايتين .
واختار القاضي أنه لا يلزمه ؛ لما روى أبو محمد الخلال بإسناده عن أنس مرفوعاً : ( من اغتاب رجلاً ثم استغفر له من بعد غفر له غيبته ) وبإسناده عن أنس مرفوعاً : ( كفارة من اغتيب أن تستغفر له ) والحديثان لا يصحان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأن في إعلامه إدخال غمًٌ عليه . قال القاضي : فلم يجز ذلك
وقال ابن عبد البر في كتاب ( بهجة المجالس ) : قال حذيفة رضي الله عنه : كفارة من اغتبته أن تستغفر له .
وقال عبد الله بن المبارك لسفيان بين عيينة : التوبة من الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته ، فقال سفيان : بل تستغفر مما قلت فيه ، فقال ابن المبارك : لا تؤذوه مرتين . ومثل قول ابن المبارك اختاره الشيخ تقي الدين بن الصلاح الشافعي في ( فتاويه ) .
وقال الشيخ تقي الدين بعد أن ذكر الروايتين في المسألة المذكورة قال : فكل مظلمة في العِرض من اغتياب صادق ، وبهت كاذب فهو في معنى القذف ، إذ القذف قد يكون صادقاً فيكون في المغيب غيبة ، وقد يكون كذباً فيكون بهتاً .
واختار أصحابنا أنه لا يعلمه بل يدعو له دعاء يكون إحساناً إليه في مقابل مظلمته كما روي في الأثر .. انتهى
ولا يخفى قوة ما اختاره الشيخ تقي الدين رحمه الله لما في إعلامه من إيذائه مرتين ، ومن خوف حدوث خصام أو نفرة أو تقاطع أو تهاجر بينهما .أهـ
وعلى هذا فالراجح هو الإكثار من الاستغفار تكفيراً عن الغيبة ، فعن أبي عبد اللّه قال: «سُئل النبي صلى اللّه عليه وآله ما كفارة الاغتياب؟ قال: تستغفر اللّه لمن اغتبته كلّما ذكرته».

والله أعلم .