السؤال:

زميل لي كان يَثِقُ في صديقٍ له ثِقةً كبيرة، ائْتَمَنَهُ على كل شيء وكان يتوسَّم فيه الشهامة والرجولة حتى تَرَكه يتردَّد عليه في منزله، إلى أن حدَث ذات ليلة: أن الصديق كان موجودًا بمنزل الزميل.. واستيقظ هذا الزميل مِن نوْمه ليرَى صديقه يُداعبُ بدَن شَقيقته، فلمَّا أحسَّ به الصديق قطَع مُداعبته لشَقيقته، وكأنَّ أمرًا ما لم يحدث، وهنا تجنَّب الزميل أن يُثير مع صديقه شغَبًا أو جدَلاً، تَسَتُّرًا على ما حدث، واكتفى بأن أبعده.. وضرب شقيقته ضرْبًا مُبْرِحًا، فهي مَعقودٌ قرانها على شخص آخر، فهل يعتبر ديوسا وما توجيهكم؟

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

 
أخي الكريم: إن الله سبحانه وتعالى حين يشرع لعباده أمرا فلا بد أن نوقن بأن هذا هو الخير لنا في الآخرة والأولى، فالله سبحانه هو خالقنا وهو أرحم بنا من أنفسنا، فلذا لم يشرع لنا إلا ما فيه صلاحنا

وعزنا وسعادتنا، ولم يكن شرع الله سبحانه وتعالى سيفا مسلطا على رقاب العباد فليس في ديننا كبت لحرية بل لكل إنسان أن يفعل ما يشاء شريطة ألا يمس حقوق الآخرين أو ينال من أعراضهم أو

عقيدتهم، وكثيرا ما ترتفع أصوات دعاة الرذيلة بالدعوة إلى عدم كبت الحريات والرغبات، وليست هذه حرية بل هي إشعالٌ لنار فتنةٍ في قلوب أبنائنا وبناتنا لا تخمد جذوتها إلا بارتكاب الفاحشة ، وساعتها

يكون الندم والبكاء فليتنا نفيق ونرحم أبناءنا ونأخذ بأيديهم إلى طريق العفة والفضيلة، بدلاً من أن نلقي بهم في هاوية الفاحشة والرذيلة، فالخير كل الخير في الطاعة والانقياد، والحسرة والندامة في

البعد عن منهج الله وسلوك طريق الفساد.

 

 

يقول فضيلة الدكتور محمد البهي –رحمه الله- عميد كلية أصول الدين سابقا:

 
ما فعله الزميل مع صديقه مِن مُقاطعته وطرْده مِن المنزل، ومِن عدم إثارته جدلاً معه حوْل الفُحش الذي ادَّعى أنه ارتكبَ مع شَقيقته تَسَتُّرًا على عِرْضها، وبالأخصِّ أنه معقود قرانها على شخص آخر،

يُعتبر مَقبولاً وقت الحادث؛ لأن إثارة ضجَّة حول الموضوع كانت ستَنتهي بعُذر ما مِن الصديق: بالإضافة إلى إشاعة الأمر بين الجيران وغيرهم، ممَّا قد يُفسَّر بما يُسيء إساءة بالغةً إلى شقيقته في

مُستقبلها وفي علاقتها بزوجها المُقبل.

 
وقد جاء في أدب القرآن، خاصًّا بحادث الإفْك قول الله ـ تعالى ـ: (ولَوْلَا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلتمْ مَا يكونَ لَنَا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبحانَكَ هذَا بُهتَانٌ عَظِيمٌ). (النور: 16).. فقد روَّج بعض الحاقدينَ مِن اليهود على

الرسول محمد ـ عليه السلام ـ وعلى السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ وأبيها أبي بكر ـ رضوان الله عليه ـ: إشاعةَ سُوءٍ عن عائشة بشخص آخر أثناء تغيُّبها عن القافلة في البحث عمَّا فقد منها، فجاء

نُصح القرآن للمؤمنين جميعًا، ما تَضمنتْه الآية السابقة من عدم الخوض في موضوع لم يتأكد ولم تَقُم عليه بيِّنة.

 
وكان الأولَى بالمُؤمنين أن يتجنَّبوا الحديث فيه إطلاقًا، وأن يَصفوه مِن أول الأمر بأنه كذِب مَحْضٌ: (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتُانٌ عَظِيمٌ)..
وطبعًا لا يُقاس موضوع شقيقة الصديق في هذا السؤال على موضوع أم المؤمنين عائشة ـرضي الله عنها ـ ولكن فقط ما تُعطيه الآية مِن علاج لإشاعة فُحْشٍ عن مسلمة، ليس هناك دليل قاطع عليه،

وهذا العلاج يكون في عدم نَشْره واعتبار ما قِيلَ أمْرًأ غير مُؤكَّد، لم تَقُم عليه بيِّنة وهي شهادة أربعة شهداء: (فإذْ لَمْ يَأْتُوا بالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ “أي المروِّجون لإشاعة السُّوءِ” عِنْدَ اللهِ هُمُ الكَاذِبُونَ).

(النور:13)..

ثم تأتي في آخر آيات الإفْك: النصيحة العامة في قوله ـ تعالى ـ: (إنَّ الذينَ يُحبُّونَ أنْ تَشيعَ الفاحِشةُ في الذينَ آمنُوا لهمْ عَذابٌ أليمٌ في الدنيا والآخرة واللهُ يَعلمُ وأنتمْ لا تَعلمونَ). (النور: 19)..وإذَن ينبغي

للمؤمن التحفُّظ وعدم ترويجِ أمرٍ سيئ خاصٍّ بامرأة، رغبةً فقط في إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، وإذًا أيضًا لم يكن الصديق مُذنبًا ولا جبانًا عندما كتَم الأمْر مع شقيقتِه.

ولكن يأتي بعد ذلك مع الصديق أمْرٌ آخر. وهو أن يَعلم عندما حرَّم الإسلام “الاختلاط” لغير المحارم لم يَستثْنِ الأصدقاء، وإنما “الاختلاط” لمآسيه الكثيرة كان بوجه عام مُنكَرًا في العلاقات بين الرجال

والنساء، في نظر الإسلام كيف يُبيح الصديق لصديقِه وهو شابٌّ، أن يدخل منزله وأن يرى شَقيقته ويتحدث إليها، وتتحدث إليه عدة مرات، وهي شابَّةٌ أيضًا؟ كيف لا ينتظر مع كثْرة التردُّد وتبادُل الأحاديث:

أن لا يحدث ميْلٌ بين الصديق وشقيقته وأن لا تَحدث رغبةٌ في اللقاء المتكرِّر بينهما، رغم أنه مَعقود قرانها على شخص آخر؟ إن عِفَّة الشاب، وكذلك عفَّة الشابة في بُعد كل منهما عن الآخر.. في عدم

الاختلاط بين الاثنينِ، ولكن أنْ يُباحَ لهما الاختلاط، ثم يطلب منهما العفَّة وعدم الميْل الغريزي مِن كلٍّ منهما للآخر فذلك هو الأمر الذي قلَّما يقع، وعقد القران على شخص آخر ليس مانعًا مِن وقوع

الفاحشة عند الاختلاط.. والزواج بالفعل ليس أيضًا مانِعًا مِن وُقوع الفاحشة عند الاختلاط.

 

الاختلاط مركز الجذْب بين الرجل والمرأة، وعلاقة السُّوء بينهما عند الاختلاط مَوقوتة فقط بالظروف التي تُيسِّر لهما الاتصال، كما حصل الآن في سؤال السائل من مَبيت الصديق في منزل صديقه.

فهل نكون مسلمين لمَصلحتنا، ومَصلحة أُسَرِنا، ومصلحة أولادنا؟ هل نَلتزم بالحلال والحرام في السلوك والمعاملات اتقاءً لكوارث الحياة، التي قد تُصيب المَقاتِل مِنَّا. والله أعلم