السؤال:

ما الثمرة التي عادت على الفقه الإسلامي بسبب تعدد المذاهب الفقهية وطبيعة الاختلاف بينها في بعض الأمور؟

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

 
أخي الكريم: إن الله سبحانه وتعالى اقتضت حكمته و شاءت إرادته أن يكون الإسلام هو الدين الخاتم وشريعته هي الشريعة الخاتمة، قال سبحانه”الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ

لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً” وهذا الأمر ليس محل نقاش أو جدال وحُسِم الأمرُ بقوله سبحانه: “وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ”.
ولما كان الأمر كذلك كان لا بد أن تتوافر في الشريعة الإسلامية ما يجعلها قادرة على تسيير أمور العباد من غير حرج ولا مشقة، فلذا تضمن الوحي بقسميه (القرآن والسنة) القواعد العامة والكلية والتي

من خلالها يستطيع من له عقل راجح وبصيرة نافذة ممن أنار الله قلوبهم أن يُعمل عقله ويستنبط من كتاب الله وسنة رسوله ما تنتظم به أمور البلاد والعباد، فلذا كان القرآن والسنة هما المعين الذي لا

ينضب والرافد الذي لا ينقطع يرجع إليهما كل مجتهد في كل عصر ومصر ليستنبط منهما ما يفتح الله به عليه، وقد كان ظهور المذاهب الفقهية خير شاهد على عظمة هذا الدين وأنه لا يصادر كلمة ولا

يحجر على فكر، بل لكل من كان أهلا للاجتهاد، أن يستنبط ما أفاء الله به عليه، ومن ثَمَّ كان الاختلاف بين المذاهب الفقهية، ولا يتعدى كونه اختلافا في الفروع والجزئيات، وليس اختلافا في الأصول

والكليات، وهو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.

 

 

يقول فضيلة الدكتور محمد نجيب عوضين:

 
أولا: إن تعدد هذه المذاهب كان ظاهرة صحية وفاتحة خير على الفقه الإسلامي والمسلمين ذلك أنه أدى إلى إثراء كبير لأحكام الفقه الإسلامي في القضايا والوقائع نتيجة إعمال الفكر والفهم في اختيار

الحكم المناسب المستنبط من المصدر المناسب الواضح من زاوية للفقيه، بل صار للمسألة الواحدة في المذاهب المتعددة أكثر من حكم لاختلاف نظرة الفقهاء للدليل ثم يترك الخيار للسائل

والمستفتي للترجيح والاختيار فيقدم ما اعتمد على دليل راجح قد يكون حديثا متواترا مثلا على دليل مرجوح استند إلى حديث أحاد أو قياس وبالتالي كان هذا أكبر دليل على رسوخ وثبات علم الفقه

بمعناه الدقيق بل تجاوز هذا الحد إلى ظهور الفقه الافتراضي بصورته الكاملة.

 

 

ثانيا إن الخلاف بين الفقهاء أصحاب المذاهب المختلفة كان خلافا في الجزئيات الاجتهادية في التفصيلات والفروع وليس في الكليات الثابتة فلا خلاف فيها لأنها راسخة واضحة النص فلا مجال للاجتهاد في أمور استقر حلها أو حرمتها وإلا كان هذا مخالفا للشرع لا خلافا في الرأي.

 
كما أن هذا الاختلاف يبين مدى إعمال الفهم والفكر في القضية قبل الإفتاء فيها ليتبين للناس مدى تعقل فقهاء المسلمين ودقتهم في تمحيص كل أمر قبل الإفتاء فيه أو قبل القول فيه.

 

 

ثالثا: إن الاختلاف بين أئمة المذاهب المختلفة ليس خلافا متنافر الجوانب أو متباعد الصلة بل التآخي بين هذه المذاهب بآرائها واضح فكثيرا ما نجد إجماعهم واتفاقهم حتى في كثير من الفروع والجزئيات

لأن منهلهم الذي يستقون منه منهجهم واحد في جملته اللهم ما اختلف تقديره أو رؤيتهم لظاهر النصوص أو بحثهم فيما وراء المعاني أو تعاملهم مع دلالات اللغة ومفاهيمها التي تؤثر على فهم

النصوص. والله أعلم.

نقلا عن مجلة الوعي الإسلامي في العدد 428 الصادر:
غرة ربيع الآخر 1422هـ