السؤال:

ما الحكمَ الشرعيّ في تعذيب الحيوانات لهوًا ولعبًا مع قتلها في غير حاجة ، وبالأخص في مباريات مصارعة الثيران التي يدخل فيها الخيل أيضا، وهل يَحِلُّ أكل لحوم هذه الثيران التي ماتت بالطعن بالسهام دون ذبحها؟ أو إذا ذبحت وتبرع بها أصحابها ؟ وما جزاء مَن يُشَجِّع على مباريات مصارعة الثيران هذه ويشاهدها؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد :

فمن المُقَرَّر شرعًا أن الله يحب الرفق في الأمركله ، وأن الرفق بالحيوان واجب، وتعذيبه بكل لون من ألوان التعذيب مَنْهيٌّ عنه شرعًا.

ولذا فمباراة مصارعة الثيران حرام بالإجماع؛ لِما فيها من تعذيب لهذه الثيران، والأكل من لحوم هذه الثيران إذا لم تُذَكَّ الذكاة الشرعيّة حرام؛ لأنها ميتة ، وحلال إذا ذبحت وفق الشريعة الإسلامية ، ولكن ذَبْح هذه الحيوانات بعد المصارعة لا يُحِلُّ هذه المصارعة من الناحية الشرعية، فالحُرْمة قائمة لِما لاقته من هَوْل العذاب.

ومشاهدة هذه المباريات وتشجيعها حرام أيضًا؛ لأنه إعانة على معصية، والإعانة على المعصية معصية، والدخل الناتج عنها حرام.
ولقد حَرَّمت دول أوروبا والعالم كله ـ عدا أسبانيا ـ دخول هذه المصارعة لبلادها لِما فيها من تعذيب للحيوانات المستخدمة ، فيجب على المسلمين أن يتنزهوا وأن يبتعدوا عن هذه المباراة الوحشية، فهناك الكثير من الرياضات البدنية التي حَثَّ الإسلام عليها ورَغَّبَ فيها .

يقول الأستاذ الدكتور نصر فريد واصل، مفتي مصرالسابق:

إنه من المعلوم من الدين بالضرورة والمُقَرَّر شرعًا أن الإسلام دين الرحمة والرأفة والرفق بجميع مخلوقات الله، الإنسان والحيوان وغيرهما على حد سواء.
فلقد رُوي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه” (رواه مسلم) وعنها أيضًا أن النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه” (رواه مسلم).

فإذا كانت هذه المباريات المسؤول عنها سوف تتم بين الخيول المُدَرَّبة وبين الثيران فإنها تحتمل واحدًا من اثنين لا ثالث لهما:
أولاً: إما أن تكون هذه الخيول لحالها دون أن يمتطيَها فرسانٌ على ظهورها وتكون هي والثيران في حلبة المصارعة سواءً بسواء.
فمما لا شك فيه أن هذا عمل مُحَرَّم قطعًا طبقًا لِما قررته الشريعة الإسلامية؛ لأنه سوف يؤدي بالضرورة إلى عذابها وربما موت أحدهما، لأن القوتين غيرُ متكافئتين.

ومما لا شك فيه أيضًا أن الحيوان سوف يناله من العذاب ما لا يَعلم مقدارَه إلا الله؛ لأنه يتألم كما يتألم الإنسان.
ولقد أخبر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن عدل الله حتى بين الحيوانات يوم القيامة أن الله سوف يَقْتَصُّ من القَرْناء (التي لها قرون) للجَلْحاء (التي لا قرن لها).

ولقد رُوي عن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه دخل على يَحيى بن سعيد وغلام من بني يَحيى رابطٌ دجاجة يرميها، فمشى إليها ابن عمر حتى حَلَّها، ثم أقبل بها وبالغلام معه فقال: ازجُروا غلامَكم عن أن يَصْبِر هذا الطير للقتل؛ فإني سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى أن تُصْبَرَ بَهيمة أو غيرها(متفق عليه) كما نهى النبيُّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن تُصْبَر البهائم. أي تُحْبَس للقتل (متفق عليه) كما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ مَرَّ عليه حمار قد وُسِمَ في وجهه فقال: “لعن الله الذي وَسَمَه” (رواه مسلم) والوَسْم: هو الكَيُّ بالنار، وروى النَّسائيُّ من حديث عبد الله بن جعفر قال: مَرَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ناس وهم يرمون كَبْشًا بالنبل، فكَرِه ذلك، فقال: “لا تُمَثِّلوا بالبهائم”. إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة التي وردت في النهي عن هذا الفعل المُحَرَّم.

فمن هذه الأحاديث وغيرها يتضح أن الإسلام دين الرحمة والرأفة؛ ولذا نهى عن تعذيب الحيوانات بالضرب أو القتل، حتى في حالة الذبح الشرعيّ يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحْسِنوا القِتْلة وإذا ذَبَحْتم فأحْسِنوا الذِّبْحة، وليُحِدَّ أحدُكم شَفْرَتَه ولْيُرِحْ ذبيحتَه” (رواه مسلم وأبو داود)..

فإذا كان الإنسان هو الذي دعا إلى التقاء هذه الحيوانات في تلك المصارعة كي يستمتع بلحظة سعادة عابرة في نظره القاصر، فإنه بلا شك سوف يناله من العذاب الشيء الكثير؛ لأنه يترتب على فعله هذا شيء مُحَرَّم.

وإذا وُجِدَت الخيل في حلبة السباق وعلى ظهورها فرسان، أو تمت المباراة بين رياضيين وبين الثيران فقط.
فمما لا شك فيه أن الإنسان سوف يعمل جاهدًا على سعادة مشاهديه، ويكون ذلك باستخدام عقله وتفكيره في ابتكار أساليب تعذيب الثيران، حتى يستمتع به جمهورُ المشاهدين الذي يبذلون الغاليَ والنَّفيسَ في الحصول على مقعد في هذا الحفل الشيطانيّ الثابتِ حُرْمتُه من الدين بالضرورة.

وإذا لم توجد إراقة دماء أو قتل فعذاب الحيوان كافٍ للمُساءلة أمام الله ـ عز وجل ـ يوم القيامة.
فالمرأة التي حَبَسَت الهِرَّة لم تُرِقْ دماءها وإنما اكتفت بعذابها بالحبس، فكان الجزاء العادل دخولَها النار.

وأما بالنسبة لذبح الثيران طبقًا للشريعة الإسلامية والتبرع بلحومها كما ورد بالسؤال بعد أدائها للمباراة، فإن هذا الفعل لا يُحِلُّ هذه المصارعة من الناحية الشرعية، فالحرمة ما زالت قائمة لِما لاقته من هَوْل العذاب. وإن كان الأكل من لحومها حلالًا لا غُبارَ عليه طالما تم ذبحها بالطريقة الشرعية. والأَوْلى والأجدر بفاعلي الخير أن يكون الذبح من تلقاء أنفسهم بعيدًا عن هذه المباراة إذا أرادوا القيام بواجبهم نحو فقراء المسلمين.

ويجب على المسلمين كافة أن يتنزهوا وأن يبتعدوا عن هذه المباراة الوحشية التي نهى عنها العالم أجمع، وهناك من الرياضات البديلة التي حَثَّ الإسلام عليها ورَغَّبَ فيها الشيء الكثير، وأن يتمسكوا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “الراحمون يَرحمهم الرحمن، ارْحَموا مَن في الأرض يَرْحَمْكم من في السماء”.

ومشاهدة هذه المباراة وتشجيعها حرام أيضًا؛ لأنه إعانة على معصية، والإعانة على المعصية معصية، والدخل الناجم عنها حرام.
ربَّنا لا تؤاخذْنا إن نسينا أو أخطأنا، واعْفُ عنا واغْفِرْ لنا وارْحَمْنا، أنت مولانا فانصرْنا على القوم الكافرين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،
والله أعلم.