السؤال:

ما كيفية التصرُّف في المصاحف القديمة التي لا يُنتفع بها بعد استهلاكها وتَمزُّقها وقِدَمِها وعدم معرفة القراءة بها؟ وهل يجوز حرْقُها؟ وما حكم مَن يأخذ مصحفًا من المسجد مَوقوفًا لله تعالى بهذا المسجد، هل يجوز ذلك أمْ لا ؟

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

 

يَجب على كل مسلم أن يُحافظَ على كتاب الله ولا يُعرضه للمَهانة والضياع؛ وذلك بأن يَجمعه ويَضعه في حِرْزٍ، كجِلْدٍ مَلفوفٍ أو قُماشٍ سَميكٍ، ثُم يَضعه في مكان أمينٍ حتى لا تَتطايَرُ أوراقُه.

 

فإذا تعذَّرت المحافظة عليه بأيّة وَسيلة مِن الوسائل فعليه جَمعه وإلْقائه في ماءٍ طاهرٍ حتى يُزيل الماء آثارَ الكتابة ويتحوَّل حينئذٍ إلى أوراقٍ عاديَّة ، وإنْ لم يُمكنه ذلك فعليه إرسال أوراقِه دارَ الوثائق

للمُحافظة عليه ، ولكن إذا تَمزَّقت أوراقُ المصحف ولم يَتمكن مِن الانتفاع بها فلا مانع شرعًا من حرقها.

 

ولا يَجوز لأحد أن يأخذ المصحف من المسجد ، لأنه بمجرد وَقْفه لله تعالى فقد أصبح مِلْكًا للمسجد لا يَصحُّ أن يأحذه أحدٌ خارجَه.

 

 

يقول الأستاذ الدكتور نصر فريد واصل، مفتي مصر :

 
أولاً : القرآن كلامُ ربِّ العالمين، نزل به الرُّوحُ الأمين على سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهداية الناس وبيان الأحكام التي تَعبَّدَ اللهُ الناسَ بها وكلَّفهم باتِّباعِها ، والقرآن وحْيٌ مَتْلُوٌّ سمِعه الرسولُ

وحفَظه بألْفاظه وعباراته ووَعاهُ وبلغه، كما سمَّعه إلى أصحابه ودَعاهم إلى حِفْظه وتَفهُّم مَعانيه والعمل به فحَفظوه وعَملوا بأحكامه ، وإن القرآن كتاب الله (لا يأتيهِ الباطلُ من بين يَديهِ ولا مِن خلْفه تَنزيلٌ

مِن حَكيمٍ حَميدٍ) وقال الله تعالى في كتابه العزيز: (إنَّهُ لَقُرْآنٌ كريمٌ. في كتابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ) (الواقعة: 77 ـ 79) وتَلَقَّاهُ المسلمون جيلاً بعد جيلٍ.

 

فيَجب على كل مسلم أنْ يُحافظ على كتاب الله ولا يُعرضه للمَهانة والضياع؛ وذلك بأن يَجمعه ويَضعَه في حِرْزٍ ساتِرٍ، كجِلْد مَلفوف أو قماش سَميكٍ، ثم يَضعه بعد ذلك في مكان يَتمكَّن فيه مِن صيانته

والمُحافظة عليه حتى لا تَتطاير أوراقُه وتكون مُعرَّضةً للإهانة.
كما يَجب على المسلم المحافظةُ على كتاب الله بشتَّى وسائل الحفظ التي تَصُونُ كتاب الله مِن العبَث والاستهتار، والمَقصود من ذلك كلِّه المحافظةُ على القرآن الكريم والقيامُ بما يَجب نحوه من

احترامٍ. فإذَا تعذَّر على المسلم المحافظةُ عليه بأيّة وَسيلة فعليه جمْعُه ووَضعُه أو إلْقاؤه في ماء طاهر؛ لأن الماء سيُزيل آثار الكتابة وتَتحول حينئذٍ إلى أوراقٍ عاديةٍ سرعانَ ما تَتآكل. وإنْ لم يُمكنه ذلك

فعليه إرسال أوراقِه إلى دار الوَثائق للمُحافظة عليه.

 

إما إذا تَمزَّقتْ أوراق مُصحف أو بعض أوراقِه، ولم يَتمكَّن الإنسان مِن معرفة القراءة بها، ولم يُمكن الانتفاع بها ، ولم يَتوافر له حِفْظُها بأي وسيلة من الوسائل السابقة، فلا مانِع له من حَرْقها إذا لم يَتيَسَّرْ

له المحافظة عليها (فتاوى الإمام عبد الحليم محمود 1 / 254) لأن امتهان القرآن الكريم من أكبر المُحرَّمات، وقد كان سببَ الوَبالِ لبعض الأمراء الذين استهانوا بحُرمته فمزَّقهم اللهُ شرَّ مُمزَّق.

 

 

ثانيًا: أما بالنسبة لمَن يأخذ مُصحفًا من المسجد مَوقوفًا للمسجد، فإذا كان قد أخَذه من المسجد وخرَج خارج المسجد فهو آثِمٌ ومُرتكبٌ ذنبًا ؛ لأنه بمُجرد وَقْفِ المُصحف لله تعالى لهذا المسجد فقد أصبح

هذا المصحف مِلْكًا للمسجد؛ لأنه يَزول ملْك الواقِف عن هذا المصحف بمُجرد قول: وَقفتُه لهذا المسجد.

 

 

وبناء على ذلك لا يَجوز لأحد أن يأخذ المصحف من المسجد ويَخرج به خارج المسجد.

 

 

أما إذا كان قد أخَذه وجلَس في المسجد ليَقرأ فيه القرآن ولم يَخرج به من المسجد وأعاده إلى مكان حِفْظه في المسجد بعد انتهاء القراءة منه، فلا إثْمَ عليه في هذه الحالة، وإنما يُثاب على قراءته

للقرآن الكريم. وممَّا ذُكِرَ يُعلَمُ الجواب عمَّا جاء بالسؤال إذا كان الحال كما وَرد به.

 
والله سبحانه وتعالى أعلم.