السؤال:

كنت أعمل بإحدى شركات الغزل والنسيج كرئيس لها، وكنت أتقاضى مرتبًا حوالي 2500 جنيه، وبعد عزل مجلس الإدارة أصبحت أتقاضى معاشًا قدره 700 جنيه، وهذا المبلغ لا يفي بمتطلبات الحياة من إيجار الشقة والدروس الخصوصية ومصروفات المدارس والجامعات ومصروفات العلاج وغير ذلك، وأن هناك دخلًا بسيطًا من إيجار منزل يساعد في هذه المتطلبات، ونحن أسرة مكونة من ستة أفراد، وقد حاولت إيجاد عمل يَدِرُّ علينا ربحًا فلم أتمكن من ذلك، لكني أجيد اللغة الألمانية إجادةً كاملة، وأريد أن أعطيَ دروسًا خصوصية في هذه اللغة حتى يتحقق لي العمل والنشاط وأزيد من دخلي. فأرجو الإفادة عما إذا كان إعطاء الدروس الخصوصية حلالاً أم حرامًا.

الجواب:

بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فقد حثَّ الإسلام على العمل الصالح، والسعي لتحصيل الرزق ، والأكل من الحلال الطيب ليقبل الله الدعاء.

فإذا كان الإنسان قصده وغرضه أساسًا من الدروس الخصوصية مساعدةَ الطلاب على تحصيل العلم وتوسيع مداركهم جاز ذلك شرعًا حتى لو حصل على أجر، شريطةَ ألا يكون مُغالياً في هذا الأجر ومرهقًا لأولياء الأمور.
أما إذا كان الغرض والهدف جمع المال والثراء الفاحش على حساب المحتاجين من طلاب العلم والمعرفة فإن ذلك يكون مُحَرَّمًا شرعًا .

يقول الدكتور نصر فرييد واصل ، مفتي مصر :

حَثَّ الإسلام على العمل والسعي لتحصيل الرزق، قال الله تعالى: (فامْشُوا في مَناكِبِها وكُلُوا مِنْ رِزْقِه وإليه النشور) (الملك: 15) وأوجب الإسلام أن يكون العمل مشروعًا ليُدِرَّ كسبًا حلالاً طيبًا، فأكثر آيات القرآن الكريم التي تحدثتْ عن المؤمنين قد جعلت العملَ الصالح من صفاتهم الملازمة لهم، فيقول تعالى: (إنَّ الذين آمنوا وعَمِلُوا الصالحاتِ إنَّا لا نُضيعُ أجرَ مَنْ أَحْسَنَ عملًا) (الكهف: 30).

والسنة النبوية المطهرة حافلة بالأحاديث الشريفة التي حَثَّت المؤمنين على العمل الصالح والأكل من الحلال الطيب ليتقبل الله دعاءهم وعبادتهم؛ لأن الأكل من الخبيث المُحَرَّم يَمْنع قَبولَ الدعاء والعبادة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أيها الناسُ إن اللهَ طيبٌ لا يَقْبَلُ إلا الطيب، وإن الله أَمَرَ المؤمنين بما أَمَرَ به المُرْسَلين، فقال: (يا أيها الرسلُ كُلُوا مِنْ الطيباتِ واعْمَلوا صالحًا) وقال: (يا أيها الذين آمنوا كُلُوا مِنْ طيباتِ ما رَزَقْناكم) ثم ذكر الرجلَ يُطيل السفرَ، أَشْعَثَ أغْبَرَ، يَمُدُّ يدَه إلى السماء: يا رب يا رب. ومَطْعَمُه حرام ومَشْرَبُه حرام وقد غُذِّيَ بالحرام فأنَّى يُستجاب له!” (رواه أحمد ومسلم والترمذيّ).
وقال صلى الله عليه وسلم: “يا سعد أَطِبْ مَطْعَمَك تكن مستجابَ الدعوة”.

ومن مجموع هذه النصوص يُستفاد أن المسلم واجبٌ عليه أن يتحرى الكسبَ الحلال بعيدًا عن الرِّيَب والشبهات لقوله صلى الله عليه وسلم: “اتقوا الشبهات، فمَن اتَّقى الشبهات فقد اسْتَبْرَأَ لدينه وعِرْضه، ومن طاف حول الحِمَى يُوشك أن يقع فيه”.

وفي واقعة السؤال فإن السائل إذا كان قصده وغرضه أساسًا من الدروس الخصوصية مساعدةَ الطلاب على تحصيل العلم وتوسيع المدارك والأخذ بيدهم إلى اجتياز الصعاب والعقبات والوصول بهم إلى النجاح والتقدم ـ جاز ذلك شرعًا حتى لو حصل على أجر، شريطةَ ألا يكون مغالياً في هذا الأجر ومُرْهِقًا لأولياء الأمور، وبشرط أن يكون قد أدَّى واجبه الأساسيّ أولاً على أكمل وجه إن كان معلمًا ، ويُعَدّ ذلك من قبيل التعاون على البر والتقوى المأمور بهما في قوله تعالى: (وتَعَاوَنوا على البِرِّ والتقوى ولا تَعاونوا على الإثمِ والعُدْوان) (المائدة: 2).

أما إذا كان غرضه وهدفه أصلًا جَمْعَ المال والثراء الفاحش على حساب المحتاجين من طلاب العلم والمعرفة فإن ذلك يكون مُحَرَّمًا شرعًا لاندراجه في النهي الوارد في قوله تعالى: (ولا تَأْكُلُوا أموالَكم بينَكم بالباطل) (البقرة: 188).

وقد بَيَّنَ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث أن المسلم حرام على أخيه المسلم دمُه ومالُه وعِرْضُه، حيث يقول: “المسلم أخو المسلم لا يَظْلِمه ولا يَحْقِره ولا يُسْلِمه، بحسب امرئٍ من الشر أن يَحْقِرَ أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرام؛ دمُه ومالُه وعِرْضُه”.
هذا إذا كان الحال كما ورد بالسؤال، ومما ذُكِرَ يُعلم الجواب.
والله سبحانه وتعالى أعلم.