السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم ما حكم الشرع في زيارة مدائن صالح وغيرها من الأماكن الذي نزل عليها غضب من الله عز وجل. وجزاكم الله خيرا

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :

 
فقد حث القرآن الكريم الناس لأن يسيروا في الأرض فينقلوا العبرة والعظة من إبادة الله للأمم الظالمة وكيف أباد الله هذه الأمم بعذابه لما طغوا وعتوا .

 
يقول تعالى : {أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }

 
وقال أيضاً : { أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ }
والنظر يكون بالبصر والبصيرة قال القرطبي : ببصائرهم وقلوبهم .

 
والمعنى : أي ألم يسر هؤلاء في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا بهم “فينظروا” بقلوبهم “كيف كان” آخر أمر الكافرين قبلهم. “دمر الله عليهم” أي أهلكهم واستأصلهم.

 
وعلى هذا فالذهاب لهذه الأماكن يتحصل منه الإنسان على العبرة ، لا أن يفعل كما يفعل الجهال من أخذ هذه الأماكن لجلب المرح والفكاهة غير المقصد الذي كان يريده القرآن من السير في هذه

الأماكن ،وقد روي عن الرسول أنه قال :

 
” لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم”
وروى البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم ألا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها. فقالوا: قد عجنا واستقينا. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه

وسلم أن يهريقوا الماء وأن يطرحوا ذلك العجين..

 
وفي الصحيح عن ابن عمر أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود، فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما

استقوا ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي تردها الناقة.
وأخرج الإمام مسلم في كتاب الزهد باب : لا تداخلوا مساكن الذين ظلموا حديث عَبْد اللّهِ بْنَ عُمَرَ أنه قَالَ: مَرَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَىَ الْحِجْرِ. فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه

وسلم: “لاَ تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، إِلاّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ. حَذَراً أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ” ثُمّ زَجَرَ فَأَسْرَعَ حَتّىَ خَلّفَهَا.

 

 

قال الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري : إن هذا النهي لما مروا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر ديار ثمود في حال توجههم إلى تبوك .. وفي الحديث الحث على المراقبة، والزجر عن السكنى

في ديار المعذبين، والإسراع عند المرور بها .

 
قال القرطبي في قوله تعالى :{ ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين}
ففي هذه الآية التي بين الشارع حكمها وأوضح أمرها مسائل، استنبطها العلماء واختلف في بعضها الفقهاء، فأولها: كراهة دخول تلك المواضع، وعليها حمل بعض العلماء دخول مقابر الكفار؛ فإن دخل

الإنسان شيئا من تلك المواضع والمقابر فعلى الصفة التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم من الاعتبار والخوف والإسراع.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تدخلوا أرض بابل فإنها ملعونة).

 
ومنازل أصحاب الحجر عندما مر بهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وهو ذاهب إلى تبوك، فقنع رأسه وأسرع دابته، وقال لأصحابه: “لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا

فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم” (الحديث في الصحاح والسنن) .

 

وعلى هذا فقد ثبت كراهية الدخول إلى هذه المواضع فإن اضطرت الإنسان الظروف لاجتياز هذه الأماكن فعليه أن يسرع وأن يستشعر الخوف من الله وأن يستحضر في ذهنه كيف أباد الله هذه الأمم

الطاغية ، لا أن يأخذهاالناس مجالا للمرح والفكاهة .
والله أعلم .