السؤال:

كيف للمسلم أن ينظم مواقيت صلاته في البلاد غير المعتدلة ؟

الجواب:

وقت الصلاة في البلاد المعتدلة لا خلاف حوله بين العلماء ،أما البلاد غير المعتدلة ،فإن وقت الصلاة فيها يكون كوقت أقرب البلاد منها ،على أن تتفق المراكز الإسلامية في الأخذ بوقت البلد القريب ،أو مايرونه أقرب للصواب ،فإن أخذوا بتوقيت مكة ،اتفق على هذا ،وفي هذه البلاد يجب صلاة الصلوات الخمس كلها ،إعمالاً للنصوص العامة في وجوب الصلاة ،ويكون وقتها تبعًا لمايترضيه المراكز الإسلامية وماتقره المجامع الفقهية في البلاد .
يقول الدكتور خالد محمد عبد القادر أستاذ الشريعة بالجامعات اللبنانية :

البلاد المعتدلة : البلاد التي يحل فيها ليل ونهار، ويتمايزان عن بعضهما في كل أربع وعشرين ساعة.‏

‎‎ والأصل في مواقيت تلك البلاد، ما رواه مسلم في صحيحه أن سائلاً سأل النبي صلى الله عليه و سلم عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه و سلم شيئًا (باللفظ والقول)، وفي رواية بريدة، فقال له : (صل معنا هذين (اليومين)). قال (راوي الحديث وهو أبو موسى الأشعري) : فأقام الفجر (أي النبي صلى الله عليه و سلم) حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا، ثم أمره (أي أمر النبي صلى الله عليه و سلم بلالاً) فأقام الظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول : قد انتصف النهار، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت (أي غربت) الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أخّر الفجر من الغد حتى انصرف منها، والقائل يقول : قد طلعت الشمس أو كادت، ثم أخر الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى انصرف منها، والقائل يقول : قد احمرت الشمس، ثم أخّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول (وفي رواية : أن وقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط) .

‎‎ ثم أصبح فدعا السائل، فقال : (الوقت بين هذين)، يعني أن وقت صلاتكم في الطرفين اللذين صليت فيهما، وفيما بينهما.‏

وأما عن ضبــط الصلاة في البـــلاد غيـــر المعتـــدلة، كالقطبين وما يدخل في حكمهما : ‏

‎‎ فإن ما ورد في الأحاديث الصحيحة من تحديد مواقيت الصلاة وضبطها، إنما هو للبلاد المعتدلة التي كان يقيم فيها النبي صلى الله عليه و سلم، وما يأخذ حكمها، ولكن ما الطريقة لضبط مواقيت الصلاة في البلاد التي لا شهور فيها ولا أيام معتدلة، بل قد تكون السنة في البلاد المعتدلة يومًا، كالجهات القطبية والإسكندنافية التي يطول نهارها صيفًا ويقصر شتاءً، أو البلاد الشمالية التي لا تغيب عنها الشمس إطلاقًا صيفًا وعكسه شتاءً، أو البلاد التي يتداخل ويتحد فيها وقتًا العشاء والفجر في بعض أشهر السنة وهي البلاد التي يتجاوز موقعها خط العرض 84 شمالاً أو جنوبًا.
‎‎ سأعرض هنا أقوال الفقهاء في بيان تحديد وضبط أوقات الصلاة فيها، كما هي من كتبهم ثم أناقش وأرجح.‏
‏1- أقوال الحنفية : ‏
جاء في فتح القدير ما نصه : ‏
‎‎ ‏(ومن لا يوجد عندهم وقت للعشاء، كما قيل يطلع الفجر قبل غيبوبة الشفق عندهم، فقد أفتى البقالي(من علماء الأحناف) بعدم الوجوب عليهم لعدم السبب وهو مختار صاحب الكنز (الزيلعي) ، كما يسقط غسل اليدين من الوضوء عن مقطوعهما من المرفقين). ولا يرتاب متأمل في ثبوت الفرق بين عدم محل الفرض (وهو هنا اليدان المقطوعتان من المرفقين)، وبين عدم سببه الجعلي (وهو هنا انتفاء علامة وقت العشاء) الذي جُعل علامة على الوجوب الخفي الثابت في نفس الأمر، وجواز تعدد المعرّفات للشيء، فانتفاء الوقت انتفاء للمعرّف، وانتفاء الدليل على الشيء لا يستلزم انتفاءه لجواز دليل آخر.‏

‎‎ معنى كلام ابن الهمام الفقيه الحنفي : (أنه إذا عدمت علامة دخول وقت العشاء، وهي غياب الشفق وعدم طلوع الفجر معه، باعتبارها علامة معرّفة له، ليس معناه أن الصلاة تسقط بعدمها، لوجود دليل آخر يدل على وجوبها، وإن لم توجد العلامة الدالة على الوقت). ثم قال : وقد وجد (أي الدليل الآخر الدال على وجوب صلاة العشاء، بالرغم من عدم وجود علامتها) وهو ما تواطأت عليه أخبار الإسراء من فرض الله سبحانه خمسًا (أي الصلاة)، بعدما أمروا بخمسين، ثم استقر الأمر على الخمس شرعًا عامًا لأهل الآفاق، لا تفصيل فيه بين أهل قُطر وقُطر.‏

‎‎ ثم ما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر الدجـــال فقلنا (أي الصحــابة) : وما لبثه في الأرض؟ فقال (أي النبي صلى الله عليه و سلم) : (أربعون يومًا، يوم كسنة، ويــــوم كشهـــر، ويوم كجمعـــة، وسائــــر أيامه كأيامكـــم). فقيل : يا رســول الله! فذلك اليــوم الذي كسنــة، أتكفينـــا فيــه صــلاة يــوم؟ قال : (لا، اقدروا له قدره) فقد أوجب فيه ثلاثمائة عصر قبل صيرورة الظل مِثْلاً أو مِثْلين، وقس عليه.

‎‎ فاستفدنا أن الواجب في نفس الأمر خمس على العموم، غير أن توزيعها على تلك الأوقات عند وجودها، فلا يسقط بعدمها الوجوب وكذا قال النبي صلى الله عليه و سلم : (خمس صلوات كتبهن الله على العباد.

‏2- أقوال المالكية : ‏
‎‎ جاء في مواهب الجليل(من كتب المالكية) ما نصه : ورد في صحيح مسلم أن مدة الدجال أربعون يومًا، وأن فيها يومًا كسنة، ويومًا كشهر، ويومًا كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا، فقال الصحابة : يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة، أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال : (لا، اقدروا له قدره) .

‎‎ قال القاضي عياض : (في هذا حكم مخصوص بذلك اليوم، شرعه لنا صاحب الشرع) وقال : (لو وُكلنا إلى اجتهادنا لاقتصرنا فيه على الصلوات عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام)، ومعنى (اقدروا له قدره)، أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظهر كل يوم، فصلوا الظهر ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر فصلوا العصر، وهكذا إلى أن ينقضي ذلك اليوم، وقد وقع فيه صلوات سنة كلها فرائض مؤداة في وقتها.‏
‎‎ وأما اليوم الثاني كشهر، والثالث الذي كجمعة، فقياس اليوم الأول.‏
‏3-أقوال الشافعية : ‏
‎‎ جــــاء في روضــــة الطالبين (من كتب الشافعية):
أما الساكنــــون بناحيـــة تقصـــر لياليهم ولا يغيب عنهـــم الشفــق، فيصلـــون العشـــاء إذا مضـــى مــــن الزمـــان قــدر ما يغيب فيه الشفق، في أقراب البلاد إليهم. أي فإن كان شفقهم (شفق أقرب البلاد) يغيب عند ربع ليلهم مثلاً، اعتبر من ليل هؤلاء بالنسبة، لا أنهم يصيرون بقدر ما يمضي من ليلهم، لأنه ربما استغرق ذاك ليلهم.

‏4- أقوال الحنابلة : ‏
‎‎ جاء في غاية المنتهى (من كتب الحنابلة): ويُقدّر للصلاة أيام (الدجال) قدر المعتاد من نحو ليل أو شتاء ويتجه، وكذا حج وزكاة وصوم، وبمثله قال صاحب الإقناع.
‎‎ ولم أجد من تعرّض لمسألة فاقد وقت العشاء من الحنابلة.‏
‎‎ ويتضح لنا من خلال سرد تلك النقول، أن جماهير العلماء يقولون بوجوب صلاة العشاء على أهل البلاد التي ينعدم فيها وقتها، وهو غياب الشفق، معتمدين في ذلك على عموم النصوص الآمرة بإقامة الصلوات الخمس، من غير تفريق بين إقليم وآخر، على سبيل الوجوب، وعلى حــديث (الدجــال) الآمــــر بالتقديــر للصلــوات، والمبيّن وجــوبهـا، وإن لم يوجد سببها على وجه العموم.‏

رابعًا : أقسام البلاد غير المعتدلة، وكيفية ضبط المواقيت فيها : ‏
تنقسم هذه البلاد إلى قسمين : ‏
القسم الأول : قسم لا تغيب عنه الشمس لفترة ستة أشهر تقريبًا، ثم تغيب مطلقًا بقية السنة.‏
‎‎ وهذه ينسحب عليها حديث (الدجال)، فيقدر أهلها للصلوات الخمس، حيث يؤدونها كاملة في كل أربع وعشرين ساعة، معتمدين في ذلك على أقرب البلاد إليهم، والتي تتمايز فيها أوقات الصلوات المفروضة بعضها عن بعض، وعليهم أن يوزعوها على أوقاتها اعتبارًا بالأبعاد الزمنية التي بين كل صلاتين.‏

‎‎ ويقاس على ذلك سائر الأحكام المتعلقة بالأيام والأهلّة، من عدة وصوم وزكاة.‏
‎‎ يقول الشيخ محمد رضا : (أرأيت هل يكلف الله تعالى من يقيم في جهة القطبين، وما يقرب، أن يصلي في يومه وهو سنة، أو عدة أشهر خمس صلوات فقط؟ كلا، إن الآيات الكبرى على كون هذا القرآن من عند الله المحيط علمه بكل شيء، ما نراه فيه من الاكتفاء بالخطاب العام الذي لا يتقيد بزمان من جاء به ولا مكانه).‏

‎‎ فأطلق الأمر بالصلاة، والرسول صلى الله عليه و سلم بيّن أوقاتها بما يناسب حال البلاد المعتدلة، التي هي القسم الأعظم في الأرض، حتى إذا وصل الإسلام إلى أهل تلك البلاد التي أشرنا إليها، يمكنهم أن يقدروا للصلوات باجتهادهم، والقياس على ما بينه النبي صلى الله عليه و سلم من أمر الله المطلق، فيقدروا لها قدرها.. ولكن على أي البلاد يكون التقدير؟ قيل : على البلاد المعتدلة التي وقع فيها التشريع كمكة والمدينة، وقيل : على أقرب بلاد معتدلة إليهم، وكل منهما جائز، فإنه اجتهادي لا نص فيه .

‎‎ وقد أفتت هيئة كبار العلماء في السعودية، في دورتها الثانية عشرة، بالتقدير على أقرب البلاد التي تتمايز فيها أوقات الصلاة المفروضة.
‎‎ قلت : وفي كلٍّ خير، ولكن بشرط أن يتفق مسلمو تلك البلاد، ومراكزها على بلد معين، حتى لا تختلف صلواتهم في البلد الواحد، فتصلي جماعة بتوقيت مكة، وتصلي الأخرى بتوقيت أقرب البلاد، فيحصل الشقاق والاختلاف، وكل محرم منهي عنه.‏
القسم الثاني : قسم تتميز فيه الأوقــات عـــدا العشـــاء، فإنه يتحــد مع الفجر.‏
‎‎ فالراجح من أقوال جماهير أهل العلم، وجوب صلاة العشاء على تلك البلاد وحُرمة تركها. ولكنهم اختلفوا في وقت أدائها، وفي النية لها، هل تؤدى أداء أم قضاء؟‏
‎‎ قلت : الأظهر والأقرب إلى النص (حديث الدجال)، أن يقدر المسلمون في تلك البلاد لوقت العشاء بأقرب البلاد، فتكون صلاة العشاء فيها أداءً، وصلاة المغرب فيه قضاء، لانتهاء وقتها حسب التقدير، وهو قول المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، حيث حدد درجة 45ْ للقياس عليها، وهي درجة إحدى المناطق في فرنسا، يغيب الشفق فيها قبل طلوع الفجر، وفي هذا التقدير رفع حرج، وفيه يسر، ويصلح لبريطانيا وما جاورها.‏

والله أعلم