السؤال:

كيف نجمع بين الآيات التي تكرم بني آدم والبشرية ، مثل : ولقد كرمنا بني آدم" وبين الآيات التي تشبه بعض الناس بالأنعام مثل "أولئك كالأنعام" و"كمثل الكلب" و"كمثل الحمار" .. ألا يوجد تعارض بين هذه الآيات وبين قيام الرسول صلى الله عليه وسلم لجنازة اليهودي ، وقوله : "أليست نفسا؟" أرجو إيضاح اللبس .

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
فقد كرم الله الإنسان بالعقل الذي هو مناط التكليف ، فمن استعمل عقلة في التعرف على الله ، والالتزم بما أمر، وترك ما نهى فهو مكرم عند الله، ومن عطل عقله واتبع هواه فقد أهان نفسه ومن يهن الله فما له من مكرم، ويكون في هذه الحالة أضل من الأنعام التي خلقها الله عابدة مسبحة بفطرتها.

فلا تعارض بين تكريم الله للآدميين ، الذي أخبر عنه سبحانه بقوله : ( ‏وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً )، وبين تشبيه تعالى بعض خلقه من الكفرة الجاحدين لنعمه، الرافضين لشرعه، المكذبين رسلَه بالأنعام في قوله تعالى : (أولئك كالأنعام بل هم أضل)، وبالأخص بالكلب في قوله تعالى: ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) وبالحمار في قوله تعالى: ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً).
وذلك أن تكريم الله لبني آدم إنما هو في صورة خلقهم التي تختلف عن صورة خلق الأنعام ، وفي العقل الذي ميزهم الله به على سائر الحيوانات ، فمن استعمل عقله وشكر نعم الله عليه، وآمن برسله إليه فقد احتفظ لنفسه بهذا التكريم ، ومن لغى عقله ولم يستعمله في معرفة ربه فقد أهان نفسه ورفض تكريم الله له ، كما قال تعالى : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ، ثم رددناه أسفل سافلين ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون)، فمن كفر بالله خالقه ورازقه ، وكذب رسله إليه ، ولم يعبد ربه ولم يسبحه فهو أخس من الأنعام وأضل منها ، ذلك لأن كل الخلق بما فيهم الحيوانات تسبح بحمد الله وتعبده ، كما قال تعالى : ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيءٍ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا) ، فالتشبيه بالأنعام خاص بالكافرين ولا يشمل المؤمنين.
قال ابن كثير في تفسيره: قوله تعالى :( ‏وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) ‏ يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها ، كقوله تعالى “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم” أن يمشي قائما منتصبا على رجليه ويأكل بيديه؛ وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه ، وجعل له سمعا وبصرا وفؤادا يفقه بذلك كله وينتفع به ويفرق بين الأشياء ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدينية والدنيوية.

وقوله تعالى : “وحملناهم في البر والبحر” أي على الدواب من الأنعام والخيل والبغال وفي البحر أيضا على السفن الكبار والصغار.
وقوله : “ورزقناهم من الطيبات” أي من زروع وثمار ولحوم وألبان من سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة اللذيذة، والمناظر الحسنة والملابس الرفيعة من سائر الأنواع ، على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها مما يصنعونه لأنفسهم ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي.
وقوله : “وفضلناهم على كثيرٍ ممن خلقنا تفضيلاً ” أي من سائر الحيوانات وأصناف المخلوقات .(انتهى )

وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ( فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) أي أنه على شيء واحد لا يرعوي عن المعصية; كمثل الكلب الذي هو لاهث على كل حال, طردته أو لم تطرده.

قال القتيبي: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش, إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال ـ التعب ـ وحال الراحة وحال المرض وحال الصحة وحال الرِيّ وحال العطش.

فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال: إن وعظته ضل وإن تركته ضل; فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث; كقوله تعالى: “وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون” [الأعراف: 193 ].

وقوله تعالى: (ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ‏ أي هو مثل جميع الكفار.(انتهى)

وأما قوله تعالى: (‏مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) فيفسره ابن كثير بقوله: ‏ يقول تعالى ذامّا لليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل بها ثم لم يعملوا بها ، مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارا، أي كمثل الحمار إذا حُمّل كتباً لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملا حسيا ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه ، حفظوه لفظا ولم يتفهموه ولا عملوا بمقتضاه، بل أولوه وحرفوه وبدلوه ، فهم أسوأ حالا من الحمير لأن الحمار لا فهم له وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى “أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون” وقال تعالى ههنا “بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين”. (انتهى).
والله أعلم .‏‏