السؤال:

السلام عليكم.. أخوكم عثمان من فلسطين.. أريد أن أسأل عن حكم السفر إلى المناطق السياحية الساحليةالموجودة في بلادنا، عائلتي تريد أن تذهب.. تريد أسرتي أن تذهب إلى الرحلة مع كثير من الأقرباء، ويوجد من بين الأقرباء طبعًا بنات خالاتي المتبرجات غير المتحجبات، وقد جرَّبت هذه الرحلة من قبل، فسبحنا سويًّا في بركة واحدة، وبالطبع كانوا يلبسون "المايوه"، وكذلك بمثل هذه الرحلة أمي تشاهد أزواج أخواتها.. ويجلسون معًا.. وأحيانًا يسبحون معًا. أنا عمري 16 عامًا ولا أستطيع أن أفعل شيئًا.. وأبي لا يقول لأمي لا.. أبي لا يذهب إلى مثل هذه الرحلات، ولكنه يسمح لأمي وإخوتي وأخواتي أن يذهبوا.. ماذا أفعل؟ الجميع يريدني أن أذهب.. هل أذهب أم أن هذه الرحلات هي بالطبع حرام ولا يجب التعامل معها؟ طيب إذا لم أذهب وطلبت مني أمي نقودي التي أدخرها هل أعطيها لكي أساعدها في الرحلة أم كل ما يؤدي إلى حرام فهو حرام ويجب عليّ أن أرفض؟.. أفيدوني أفادكم الله، وجزاكم الله كل خير.

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

نقول ردًّا على الابن العزيز الحبيب عثمان زادك الله وعيًا وحرصًا على دينك ومالك، وبعدًا عن الشهوات والشبهات، يا بني العزيز إن كل ما قلته في سؤالك صحيح، فهذه الرحلات التي فيها العري والتكشف، لا تليق بمسلم يخاف ربه، ويحافظ على دينه، وماذا سيقول هؤلاء يوم تُشْوى جباههم، وجنوبهم، وظهورهم في نار جهنم، هذه الأجساد العارية والتي تسبح أمام الأجانب، وتشارك الفاسدين والمفسدين، ألا يذكرون يوم يسبحون في جهنم، التي وقودها الناس والحجارة.

يا بني الحبيب، نقول لهم إذا كان لا بد من الترفيه فهناك وسائل كثيرة، وأماكن كثيرة ليس فيها تهتك ولا تكشف، ولا عري ولا فساد، فلماذا نختار مثل هذه الأماكن، هل تشبهًا وتقليدًا للأجانب أم ماذا؟
ثم مبلغ علمي أن هذه الأماكن، أسعارها رهيبة، وأثمانها باهظة، فلِمَ هذا البذخ والتبذير في هذه الأيام العصيبة التي لا تخفى عليكم؟!!

إني أعلم علم اليقين أنه لا بد للإنسان من تجديد نشاطه وتغيير طبيعة عمله الرتيب في كل عام، ولكني أعلم أيضًا أن هناك من أبنائنا وبناتنا ورجالنا وشبابنا في هذه الأيام العصيبة يجدِّدون نشاطهم بالانخراط في الأعمال التطوعية من رعاية جرحى الانتفاضة، وجمع التبرعات للمجاهدين المناضلين الذين يجاهدون بأنفسهم، ولا يستطيعون حيلة إلا أن يجعلوا أجسادهم قنبلة يحشونها بالمتفجرات، ويفجّرون أنفسهم في وجه العدو، هؤلاء يحتاجون أن نشاركهم على الأقل مشاركة شعورية، إن لم نفعل مثل ما يفعلون فعلى الأقل، نصلي ونسجد لله، ونتعبد وندعو لهم، وننشط في حياكة ملابس لأبنائهم وتدبير أموال لمعونتهم ورعايتهم، ومحاولة شد أزرهم بالتشجيع، والمشاركة بقدر الإمكان، وكم من وسيلة نستطيع أن نساعدهم بفائض أوقاتنا وجهدنا، إن لم يكن بفائض أموالنا.

أعتقد أن الابن العزيز أننا إذا أقنعنا الأم والأخوات، أن يلتحقن بإحدى الجمعيات الخيرية الإسلامية، وينخرطن في نشاطها بكل ما يستطعن، لمدة شهر أو أكثر سيكون في ذلك تجديدًا لنشاطهن، وبعثًا لهممهن، وترقية لمشاعرهن، وإذكاء لروحهن، وسيكُنّ أكثر نشاطًا، وأكثر قوة وأكثر متعة، من الذين يعيشون أيام في الطراوة والرخاوة بين السابحات الفاتنات العاريات الكاسيات، المائلات المميلات الذين لعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقل لأمك يا بني عن لساني خذي هذا المال واذهبي به إلى أي جمعية خيرية، وتبرعي به للأمهات المعوَّقات، وللشباب الذين فقدوا أطرافهم، وللآباء الذين فقدوا أبناءهم، فعار عليكم أن تنعمن بـ”البلبطة” في برك طابا، والناس يتقلبون على الجمر بين الجوع والخوف والقتل، وأزيز الرصاص، ورائحة البارود والدم والموت، وهم أهلكم وإخوانكم.

يا بني إننا هنا حرَّمنا على أنفسنا كل مشروب أمريكي أو مأكول أمريكي، والناس هنا استجابوا للنداء، وأصبح الواحد منهم يغلبه العطش، ولكنه أبدًا لا يرضى أن يمد يده إلى زجاجة من الـ”بيبسي” أو الـ”سفن أب”، ويكتفي بكوب من الماء، الناس هنا يبكون ويتألمون وأعرف بعضهم، رصد المبلغ الذي كان سيسافر به في الصيف رصده للانتفاضة وتبرع به؛ لأنه وهو على البُعْد لم يستطع أن يستطعم أو يستلذ برحلة يهنأ بها، والناس من أهلنا في فلسطين، يصيبهم ما يصيبهم.

يا بني إن في العطاء، والبذل، والتضحية لذة لا يعرفها إلا الكبار كبار النفوس، وأنا مسرور منك سعيد بك؛ لأنك تشعر بهذا، وتريد أن تمنع أمك وأخواتك مما يردْن، أعانك الله، وهداهن لك.