السؤال:

ما رأي فضيلتكم في زوج يبخل على زوجته وعلى أولاده، فهل تطلب الطلاق؟ ولكم جزيل الشكر.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد

فنقول: إننا أولاً نحتاج إلى تحديد معنى البخل، ومفهومه ومداه، فهناك للأسف بعض الأبناء وبعض الزوجات لا يعرفون للإنفاق حدودًا، هناك بعض الزوجات والأبناء مسرفون، بل مُتلِفون، هناك من الزوجات من لا تعرف كيف تدبر معيشتها في بيتها، فمهما يأتي الزوج من مستلزمات البيت تهلكه الزوجة وأبناؤها في غير طائل، ولا تعرف معنى ما ورد: “أكرموا جوار نِعَمِ الله، فإنها إذا ذهبت عن قوم لا تعود إليهم”.

وهناك بعض الزوجات والأبناء والبنات مفتونون بالتقليد، لا يعرفون للإنفاق حدودًا فكلما رأوا شيئًا في يد أحد أو ملبوسًا عند أحد، أو جهازًا عند أحد لا يرتاحون إلا أن يملكون مثله، وهذا نوع من الشطط وسوء التصرف، ويدل على ضعف الشخصية، فالإنسان الواثق من نفسه القوي الشخصية لا يهفو إلى تقليد غيره، فكل إنسان له ظروفه وله إمكاناته، ولا يعيب الإنسان أن يكون له حد يقف عنده في إنفاقه. وبعد هذه النصيحة للزوجات والأبناء بحسن التدبير، والمحافظة على ما في البيوت، وعدم الرغبة المجنونة في التقليد، بعد هذا نجيب على الابن الكريم، فنقول:

إنَّ الشرع قسَّم مطلوب الإنسان إلى ثلاث مراتب: ضرورات، وحاجيات، وتحسينات، أو كماليات. فالضرورات هي التي لا تقوم الحياة بدونها، فإذا كفَّ الأب يده، ولم يوفِّ زوجه وأبناءه هذه الضرورات فهو بخيل قطعًا إذا كان قادرًا، وعليه إثم كبير؛ لأنه لم يوف لهم هذه الضرورات، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول”.

ويأتي بعد ذلك المرتبة الثانية وهي الحاجيات ويقصد بها الفقهاء، ما يجعل الحياة أحسن حالاً وأيسر أداء، بحيث تكون الحياة سهلة رخية كافية لينة، وهذا يجب على الآباء أن يوفوه لأبنائهم وزوجاتهم بقدر طاقتهم، قال تعالى: “لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتَه…” [الطلاق:7]، أي: كل إنسان على قدر وسعه، وعلى قدر ماله .
وأما التحسينات ويعني بها الفقهاء ما نسميه الكماليات، وما يدخل في مرحلة التزيين والتجميل، وهذا ينبغي للإنسان أن يأخذ منه إذا كان مستطيعًا بقدر، فلا يسرف ولا يبذِّر، “إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ”.[الإسراء: 27]

وأقول للابن السائل:

ينبغي أن يكون هناك تفاهم مع الأب والأبناء، وينبغي أن تكون الأم التي هي الزوجة واعية، تقود هذا التفاهم في الأسرة، بمعنى أن الأب إذا كان مقتدرًا على الإنفاق، ولكنه من الذين يخشون المستقبل، ويحاول أن يدخر، فهو في هذه الحالة لا يدخر لنفسه؛ لأن الكفن بغير جيوب، يعني أنه إذا ادخر فلن يأخذ مدخراته معه، إذا مات بعد عمر طويل، ولكن في هذه الحالة يمكن التفاهم مع الأب، بمعنى أن الخوف من المستقبل الزائد عن الحد لا مبرر له، ثم ببيان نواحي الإنفاق المطلوب وفائدتها.

ولنضرب مثلاً: إذا كان الابن يريد أن يشتري سيارة، والأب مقتدرًا، ولكنه لا يريد أن يشتري لابنه هذه السيارة، فينبغي أن يكون هناك نوع من التفاهم، هل الأب يمتنع لأنه يخشى على ابنه من الحوادث وطيش الشباب، أم لأنه يخشى أن تكون السيارة وسيلة للعبث واللهو مع اللاهين؟ أم أنه يضنُّ بثمن السيارة؟

وكل هذه الأمور قابلة للنقاش وقابلة للحوار، القضية الخطيرة الآن لا يوجد حوار بين الأبناء والآباء، وأحيانًا بين الزوجة والزوج، فالرجل يأخذ قراره وعنده أسبابه الوجيهة لا شك، ولكن لأنه لا يناقش أحدًا ولا يُناقشه أحد، فيظل قراره سلطويًّا، غامضًا غير معروف الأسباب، فيُتَّهم بالبخل ظلمًا. وهذا مجرد مثال لحالة من حالات الإنفاق وعدم الإنفاق .

فنصيحتي للابن أن يستعين بوالدته وإخوته، لفتح الحوار مع الأب، في هذه الأمور برفق وأناة، والتزام آداب البنوَّة، ومعرفة قدر الأب، وعلى الأم أن تكون واعية لهذا الأمر تمامًا.

وأنا أعرف أن هذا الموضوع ليس سهلاً، ولكن بالمحاولة المتكررة، والتدريب والتعويد، سيعتاد الأب الجلوس مع أبنائه ومناقشة الأمر مع أبنائه، وعندها ستزول المشكلة إن شاء الله، إما بأن تقتنع الزوجة والأبناء بأن الأب على حق، في قراره في استثمار المال وعدم إنفاقه، وإما أن يقتنع الأب في أن هذه أشياء لازمة يجب عليه أن يوفِّرها لأبنائه، وحينئذ تكون الحياة هينة سهلة موفقة بين الأب وابنه إن شاء الله.

أما أن يتهم الابن أباه بالبخل فأرجوه أن يعتذر بينه وبين نفسه عن هذا، ويستغفر الله من هذا الذنب، فالله سبحانه وتعالى جعل حقوق الآباء مقرونة بحقه جل جلاله، جاء هذا المعنى في أكثر من آية، منها قوله تعالى: “وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا …” (الإسراء:23)

نسأل الله لك الهداية وللجميع، وأن يوفقكم إن شاء الله، ولا ينزغ الشيطان بينكم بهذا الأمر الخطير الذي اسمه الطلاق الذي تتمزق به الأسر .

والله أعلم