السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أما بعد: لي سؤال للشيوخ الأفاضل أرجو إفادتي في أمره: لقد نقضت صيامي في أحد أيام شهر رمضان الكريم بسبب الجماع وعدم قدرتي على المقاومة، فوسوس لي الشيطان الرجيم بأن صيامي باطل بسبب قيامي بمقدمات الجماع فحدث ما حدث، وأنا نادم على فعلتي ولا أشكو من مرض معين يمنعني من الصيام شهرين متتابعين، ولكنني أشك بقدرتي على احتمال ذلك.. فهل أجبر نفسي على ذلك وأصبر، أم أطعم بدلا من ذلك 60 مسكينا؟؟ وماذا تفعل الزوجة في هذه الحالة؟؟ وشكرا لكم لردكم الكريم. والسلام عليكم ورحمة الله.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..
الجمهور متفقون على أن من أفسد صومه بالجماع أن عليه القضاء والكفارة ، وخالف في هذا الشعبي والنخعي وسعيد بن جُبير، وقد رد العلماء كلامهم ، والذي عليه العمل هو رأي الجمهور، ولا عبرة بخلافه

يقول فضيلة الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر ـ رحمه الله ـ في كتابه أحسن الكلام في الفتوى والأحكام:

الفقهاء الأربعة بالذات، مُجْمِعون على أنّ مَن أفطر في رمضان بالجِماع يفسد صومُه إذا كان عامِدًا عالمًا، ويجب عليه القضاء عند الجمهور.
وقال الشافعي في أحد قوليه: مَن لَزِمَتْه الكفّارة فلا قَضاء عليه، استنادًا إلى أن النبيَّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ لم يأمر الأعرابي الذي أخبره بأنّه جامَع زوجته في نهار رمضان بالقضاء، ويرده حديث رواه أبو داود بإسناده وابن ماجه أنه صلّى الله عليه وسلم قال للمُجامع :” وصُم يومًا مكانَه ” ولأنّ إفساد يوم من رمضان بأي مُفسد كالأكل والشرب يوجب القضاء، فكذلك الجِماع .

أما كفّارة الإفساد بالجماع فهي لازمة باتفاق المذاهب الأربعة إذا كان عامدًا مختارًا، وذلك لحديث البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رجلاً قال للنبي ـ صلّى الله عليه وسلم ـ : هلكتُ ، قال ” مالَكَ “؟ قال : وقعتُ على امرأتي وأنا صائِم فقال رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ” هل تجِد رقبة تعتِقها” ؟ قال: لا قال:” فهل تستطيع أن تصومَ شهرين متتابعين” ؟ قال :لا، قال ” فهل تجِد إطعام ستِّين مسكينًا” ؟ قال:لا ، وبعد مدة أعطاه النبي عَرْقًا ـ مِكتلاً أي وِعاء ـ فيه تَمْرٌ، وأمره أن يتصدّق به، فقال الرجل: على أفقرَ مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتَيْها ـ الجَبلين ـ أهل بيت أفقر من أهل بَيتي، فضَحِكَ الرسول حتى بَدَتْ أنْيابُه ثم قال ” أطْعِمْه أهْلَكَ”.
لكنْ روى عن الشعبي والنخعي وسعيد بن جُبير أنّهم قالوا: لا كفّارة عليه؛ لأن الصوم عبادة لا تجب الكفّارة بإفساد قضائها، فلا تجب في أدائها، كالصّلاة إذا فسدت وجب قضاؤُها ولا تجب مع القضاء كفّارة إذا فسدت فكذلك الأداء.

وردَّ العلماءُ هذا بأن الأداء يتعلّق بزمن مخصوص يتعين به، أما القضاء فهو في الذّمة، إن بطل بالجِماع يومًا فعليه القضاء في يوم آخر، ولا يصح القياس على الصلاة؛لأنّ الصلاة لا يدخل في جُبرانها مال، والصوم يدخل في جُبرانه المال. “المغني لابن قدامة ج 3 ص54 ،55 “.
وعلى ذلك فالاتفاق على وجوب الكفّارة بالفطر من صيام رمضان، ولا عِبرة بقول من خالَف ذلك لضَعف دليله بالقياس.

ويقول الأستاذ الدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه بكلية الشريعة:

من أفسد صيامه عمدًا في نهار رمضان بالجماع فعليه مع قضاء اليوم الذي أفطر فيه كفارة بيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن جاء يسأله عن ذلك، وهذه الكفارة مرتبة على هذا النحو :
أولاً: عتق رقبة مؤمنة .
ثانيًا:من لم يجد الرقبة (وهي غير موجودة الآن)  فعليه صيام شهرين متتابعين غير شهر رمضان، لا يتخلل صيامها فطر، سواء كانت هذه الأيام مما يجب عليه أن يفطرها، كالعيدين وأيام التشريق، أو أيام يقوم بالفطر فيها باختياره .
ثالثًا:من لا يتمكن من صيام شهرين متتابعين لعجزه عن ذلك بسبب مرض أو كبر أو زَمَانة أو هرَم أو ما شاكل ذلك، فإنه يلزمه أن يطعم 60 مسكينا .

وهذه الكفارة كما ترى مرتبة، بحيث لا يتمكن الإنسان من الانتقال من خصلة إلى أخرى إلا بعد العجز عن سابقتها .

وكما ورد في السؤال فأنت قادر على الصيام، ولكن تخشى ألا تتمكن من الصيام، فاحزم أمرك أولاً، فإن كنت قادرًا على الصيام بحسب ما تعلمه من حالك فصم، وإن كنت تعجز عن الصيام فأطعم هذا العدد من المساكين، لكل مسكين نصف صاع من طعام، وهو بما يعادل كيلو وربعا من الطعام تقدمه إلى الفقراء أو المساكين .

وكذلك تجب هذه الكفارة على من جُومعت إذا كان لها اختيار في ذلك، ولم تُجبر على الجماع، فإنها مطالبة بمثل هذه الكفارة التي يطالب بها الزوج .

والله أعلم .