السؤال:

عندما يتكلّم الخطيب في أحد المساجد، ويدعو المسلمين للتبرّع لبناء مسجد جديد. هل يجوز أن تأخذ لجنة المسجد جزءاً من التبرّعات المجموعة لبناء مسجد جديد؟ وما هي النسبة في حال مشروعية ذلك. أفيدونا لما فيه الخير للمصلحة الإسلامية.

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فالشأن في من يجمع التبرعات أن يكون أميناً لكي يوصل هذه الأموال المجموعة لمن جمعت له من غير نقصان ، والحال أن يوظف القائمون على المشروع الجديد موظفين ليجمعوا لهم التبرعات ، وهؤلاء الموظفون يعاملوا معاملة العامل على الزكاة فيدفع لهم من هذه الأموال التي جمعوها أجورهم على أن تعد من قبيل المصاريف الإدارية ، هذه واحدة أما الثانية فيجوز لإدارة المسجد أن تجمع تبرعات لمشروع إسلامي آخر على أن تأخذ نسبة محدّدة من الأموال المجموعة قياسا على سهم جامعي الزكاة بشرط ألا تزيد على نسبة [12 % ].
يقول سماحة المستشار الشيخ فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء عن أخذ لجنة الزكاة نسبة من التبرعات المجموعة إلى مشروع آخر :

الأصل في جمع التبرّعات لمشاريع محدودة، أن يعتبر القائم على جمع هذه التبرّعات بمثابة الأمين الذي يوصل التبرّع إلى صاحبه. فلو جمعت التبرّعات في لبنان مثلاً لنصرة المسلمين في البوسنة أو في أفغانستان أو في السودان، أو لإقامة أي مشروع إسلامي في أمريكا، فإن الأصل في ذلك أن ترسل جميع هذه الأموال المجموعة إلى الجهة المتبرّع لها، وذلك التزاماً بتحقيق نيّة المتبرّع الذي حدّد تبرّعه لجهة معيّنة. ومثل ذلك يقال في ما لو قامت إحدى لجان المساجد في لبنان بجمع التبرّعات من المصلين في مسجدها إلى جهة معيّنة، كبناء مسجد جديد أو مساعدة مريض محتاج أو التبرّع في حال حصول نكبة في منطقة معيّنة، فإن الأصل في جميع هذه الحالات أن ترسل التبرّعات كاملة إلى أصحابها.

بيد أن من الطبيعي لكل مشروع جديد أن يدفع القائمون عليه نفقات إدارية، سواء في جمع التبرّعات أو في غير ذلك من أجل استكمال هذا المشروع، وهذا أمر جائز من الناحية الشرعية، قياساً على إعطاء العاملين في شؤون جباية الزكاة ، وتوزيعها أجورهم من أموال الزكاة، وهو أمر متفق عليه بين المذاهب كلّها.
لذلك يجوز للقائمين على المشاريع الخيرية أن يفرّغوا موظّفين من أجل جمع التبرّعات، وأن يدفعوا لهم أجوراً معيّنة لقاء أعمالهم، على أن تظلّ هذه المصاريف في حدود النفقات الإدارية المعتادة.

ولجان المساجد – وهي تتمتّع بالشخصية الاعتبارية – تعتبر في هذا المجال كالشخص الطبيعي. ومن واجبها أن تقدّر ظروفها كما تقدّر ظروف المشاريع الخيرية الأخرى. وإذا كان الواجب الشرعي يوجب على المسلمين التعاون من أجل إقامة أي مشروع إسلامي جديد تقتضيه الحاجة، فإن الواجب الشرعي أيضاً يفرض على لجنة المسجد الاهتمام بشؤون مسجدها وبشؤون المصلين فيه وبشؤون المسلمين المحتاجين المقيمين في منطقته.
ونحن نرى أنه ليس من المناسب شرعاً أن تمنع لجنة أي مسجد أصحاب مشروع إسلامي آخر من جمع التبرّعات من المصلين في مسجدها، وإذا كان هذا الأمر سيؤثّر على جمع التبرّعات من المصلين لشؤون لجنة المسجد، فإننا نرى أنه من الجائز للجنة المسجد أن تسمح لأصحاب أي مشروع إسلامي آخر بجمع التبرّعات في مسجدها على أن يكون لها نسبة محدّدة من الأموال المجموعة قياساً على سهم العاملين على الزكاة.
والدليل على جواز ذلك أنه الوسيلة الوحيدة للجمع بين واجبين شرعيين متزاحمين : واجب التعاون مع سائر المسلمين في إقامة مشاريع إسلامية جديدة حيث تدعو الحاجة، وواجب رعاية المسجد والاهتمام بالمسلمين المحتاجين في منطقته.
ومن المتفق عليه في علم أصول الفقه أن التوفيق بين الواجبات الشرعية إذا تزاحمت، مقدّم على ترجيح إحدى هذه الواجبات على غيرها.

وفي هذه الحالة تتحوّل لجنة المسجد من (أمين يجب عليه إيصال التبرّع إلى صاحبه)، إلى موظّف يشبه (العاملين عليها في شؤون الزكاة)، فيجب عليه إيصال التبرّعات إلى أصحابها، ويجوز له أخذ الأجر المستحقّ. ولا نجد أي فرق بين أن يكون الشخص عاملاً على جباية الزكاة وتوزيعها، أو على جباية التبرّعات وإيصالها إلى أصحابها. كما أننا لا نجد أي فرق بين أن يكون هذا العامل شخصاً طبيعياً أو شخصية اعتبارية كلجنة مسجد أو جمعية معيّنة.

ولكن الإجازة للجنة المسجد أن تجمع التبرّعات لمشروع آخر وتأخذ منها أجراً معيّناً أو نسبة محدّدة، لا يعني إعطاء هذه اللجنة الحق في تحديد الأجر أو النسبة التي تريدها بعيداً عن أصحاب المشروع الجديد. إن هذا الأمر يجب أن يكون موضع اتفاق بين الطرفين بحيث يشعر أصحاب المشروع الجديد، وهم أمناء على ما يجمعون من تبرّعات، أنهم ينفقون منها جزءاً مقبولاً لا يزيد عن المصاريف الإدارية المعتادة، وبحيث تشعر لجنة المسجد أنها تنال تعويضاً عمّا تخسره يساعدها على تغطية واجباتها الأخرى ومنها تهيئة المسجد لاستقبال المصلين، الذين جمع المشروع الجديد التبرّعات منهم، فيجب عليه أن يشترك في نفقات المسجد الذي سهّل لهم فرصة الاجتماع. والقاعدة الشرعية المعروفة أن (الغرم بالغنم).

أمّا النسبة التي يجوز للجنة المسجد أن تأخذها من التبرّعات المجموعة لمشروع آخر، كما يجوز لأية جهة أخرى أن تأخذها من التبرّعات التي تجمعها لغيرها، فإننا نقيسها على سهم العاملين عليها. والمعروف عند الشافعية أنه يجب توزيع الزكاة بالتساوي على الأصناف الثمانية الذين ذكرتهم الآية الكريمة : إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم.
ومعنى ذلك أن حصّة العاملين عليها لا يجوز أن تزيد عن [12 % ] وهذه تعتبر أقصى نسبة ممكنة حتّى لا يقال : إن الجهة التي تجمع التبرّعات تطرح مشروعاً آخر تجمع التبرّعات باسمه، ثم تأخذها لنفسها وهذا يخالف قصد المتبرّعين.
وإذا كنت أعتقد أن نسبة [12 % ] هي أقصى نسبة يمكن اقتطاعها، فإني أطالب لجان المساجد وكل جهة أخرى تقوم على جمع التبرّعات لغيرها أن تكون بمثابة الأمين، وأن توصل هذه التبرّعات لأصحابها كاملة غير منقوصة. وإذا كانت محتاجة إلى استقطاع جزء منها فلتقتطع حاجتها بعد موافقة أصحاب المشروع الجديد. وإذا كانت حاجتها إلى خمسة بالمئة فلا ينبغي لها أن تأخذ أكثر من ذلك لأن مشاريعنا الإسلامية العامّة ينبغي أن تساعد بعضها، لا أن تأكل بعضها. ومهما تكن حاجة لجان المساجد والجهات العاملة على جمع التبرّعات كبيرة فلا أعتقد أنه يجوز لها أن تأخذ أكثر من [12 % ]، لأن الدليل الشرعي الذي يبيح لها الأخذ هو قياسها على العاملين عليها في الزكاة. وهؤلاء لا يصحّ أن تتجاوز حصّتهم نسبة [12 % ] من مجموع أموال الزكاة.
والله أعلم .