السؤال:

ما الفرق بين النفس والروح في المنظور القرآني والسنة؟

الجواب:

إن الإنسان في علاقته بالله سبحانه وتعالى يدخل في حالات متعددة، تتغير فيها طبيعة اتصاله بما هو غيب عنه، حتى بالنسبة للشخص الواحد، فأنا مثلاً في اليقظة أرى أشياء بقدر ما تعطيني هذه اليقظة من وعي دنيوي، أو بقدر ما يحجبه عني جسدي المادي من أشياء لا أستطيع أن أراها، ولا أن أدركها، فإذا ما غلبني النوم مثلاً، تغير الحال، وتغير قانوني مع الكون، وأصبحت أرى أشياء لا أرها في يقظتي، ولا تدخل في نطاق العقل البشري، كأن أرى نفسي أطير في الهواء بدون طائرة، أو أرى نفسن في أماكن لم أرها في حياتي، أو أتحدث مع أشخاص انتقلوا إلى رحمة الله تعالى منذ مدة طويلة، وفارقوا هذه الدنيا، أراهم رؤية العين، وأتحدث إليهم حديث البشر للبشر، أو أرى أشياء عجيبة تحدث لا تتفق مع العقل والمنطق، كأن اسقط من فوق قمة جبل عالٍ جدًا ولا يصيبني سوء، أو يضربني إنسان بآلة مميتة، ولا أموت، والعجب أن الرؤيا تتم والعين مغلقة تمامًا، أي أن كل ما أراه لا يتعلق ببصري الدنيوي الذي يحتم وجود شيئين:
أولهمـا: أن تكون العين مفتوحة.
وثانيهما: أن يكون هناك ضوء أو بصيص من الضوء.
فإذا أغمضت عيني في الحياة الدنيا فإنني لا أرى، وإذا كان الظلام حالكًا فإنني لا أرى، ولكن كلاً الشيئين يكون موجودًا وأنا نائم، فالعين مغلقة والظلام حالك، ومع ذلك أرى بوضوح شديد.
إذن.. فالروح لها قوانين مختلفة عن قوانين الجسد، وهي يمكن أن تلتقي مع الذين فارقوا الحياة الدنيا، وتتحدث معهم والإنسان حين يكون نائمًا ينتقل إلى عالم آخر غير عالم اليقظة؛ فتلتقي روحه مع أمه وأبيه، فإذا استيقظ ضاع كل هذا، وانتقل من قانون إلى قانون، حيث يخضع للقانون الظاهر، ويختفي عنه كل ما هو مخالف لذلك؛ لأنه في الحياة ينتقل بين قانونين من قوانين الكون مختلفين تمامًا، فهو حين اليقظة يتبع قانونًا، وخلال النوم يخضع لقانون آخر.
والعلم في هذه الحالة عاجز عن أن يفسر لنا هذه الظاهرة، فإذا سألت أحذق العلماء: كيف يفسر لنا الظواهر التي تحدث لنفس الإنسان في اليقظة والنوم؟ حدثك بكلام لا دليل عليه من العلم، فإذا سألته أن يشرح لك القانون الذي يخضع له الإنسان حين ينام، وكيف يمكن أن يرى وعيناه مغمضتان؟ وأن يتكلم ولسانه لا يتحرك؟ وأن يسير ويجري وقدماه راقدتان فوق السرير؟ وقف عاجزًا عن أن يقدم لك هذا القانون، وحين تصل إلى هذه النقطة التي تتجاوز فيها الأشياء حدود العقل، وتخالف ما نعتاد، نضعها تحت: “سبحان الله”، فنحن لا نعرف قوانين الروح، والجسد قائم، ولا نعرف قوانين الروح بعد أن تفارق الجسد، وكل حديث عن ذلك لا يدخل في نطاق العلم، وإنما يدخل في نطابق الظن والتخمين؛ ولذلك فالله الذي خلق بقدرته هذه القوانين كلها، أطلعنا على ما شاء منها، واختص نفسه بما شاء ولذلك فإن كل هذه القوانين هي من صنع الله الذي ليس كمثله شيء، وبما أننا لا نستطيع أن نصل إلى علم الله سبحانه وتعالى؛ فعلينا أن نُسلم بقول الله: ويسئلونك عن الروح قُل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من اعلم إلا قليلا [الإسراء: 85].
قال العلامة ابن كثير في تفسيره للآية: وقد اختلف المفسرون في المراد بالروح ههنا على أقوال:
أحدهما: أن المراد أرواح بني آدم. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ويسئلونك عن الروح الآية، وذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن الروح وكيف تعذب الروح التي في الجسد وإنما الروح من الله ولم يكن نزل عليه شيء فيه فلم يجر إليهم شيئًا فأتاه جبريل فقال له: قُل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
فقالوا من جاءك بهذا؟
قال: “جاءني به جبريل من عند الله”.
فقالوا له: والله ما قاله لك إلا عدونا. فأنزل الله: قل من كان عدوّا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقًا لما بين يديه وقيل: المراد بالروح ههنا جبريل، قاله قتادة، قال: وكان ابن عبا يكتمه.
وقيل: المراد به ههنا ملك عظيم بقدر المخلوقات كلها، قال على بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ويسئلونك عن الروح يقولك الروح ملك.
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله بن عرس المصري حدثنا وهب بن روق بن هبيرة حدثنا بشر بن بكر حدثنا الاوزاعي، حدثنا عطاء عن عبد الله بن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن لله ملكًا لو قيل له التقم السموات السبع والأرضين بلقمة واحدة لفعل، تسبيحه: سبحانك حيث كنت”، وهذا حديث غريب بل منكر.
وقال أبو جعفر بن جرير رحمه الله: حدثني علي، حدثني عبد الله حدثني أبو مروان يزيد بن سمرة صاحب قيسارية عمن حدثه عن عليّ بن أبي طاب رضي الله تعالى عنه انه قال في قوله: ويسئلونك عن الروح قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه لكل وجه منهما سبعون ألف لسان لكل لسان منها سبعون ألف لغة، يسبح الله تعالى تلك اللغات كلها يخلق الله من كل تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة. وهذا اثر غريب عجيب والله أعلم.
وقال السهيلي روى عن علي انه قال: هو ملك له ألف رأس لكل راس مائة ألف وجه في كل وجه ألف فم في كل فم مائة ألف لسان يسبح الله بلغات مختلفة.
وقال السهيلي: وقيل المراد بذلك طائفة من الملائكة على صور بني آدم.
وقيل طائفة يرون الملائكة ولا تراهم فهم للملائكة كالملائكة لبني آدم.
وقوله: قل الروح من أمر ربي أي من شأنه ومما استأثر بعلمه دونكم، ولذا قال: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا أي: وما أطلعكم من علمه إلا على القليل فإنه لا يحيط أحد بشيء من عمله إلا بما شاء تبارك وتعالى.
والمعنى: أن علمكم فيعلم الله قليل وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى ولم يطلعكم عليه كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى، وسيأتي إن شاء الله في قصة موسى والخضر أن الخضر نظر إلى عصفور وقع على حافة السفينة فنقر في البحر نقرة، أي شرب منه بمنقاره. فقال يا موسى ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر، أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا قال تعالى: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.
وقال السهيلي: قال بعض الناس لم يجبهم عما سألوا لأنهم سألوا على وجه التعنت وقيل أجابهم، وعلو السهيلي على أن المراد بقوله: قُل الروح من أمر ربي) أي من شرعه أي فادخلوا فيه وقد علمتم ذلك لأنه لا سبيل إلى معرفة هذا من طبع ولا فلسفة وإنما ينال من جهة الشرع وفي هذا المسلك الذي طرقة وسلكه نظر. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر السهيلي الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس أو غيرها وقرر أنها ذات لطيفة كالهواء سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم فهي ما نفس مطمئنة؛ أو أمارة بالسوء. قال: كما أن الماء هو حياة الشجر ثم يكسب بسبب اختلاطه معها اسمًا خاصًا فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها صار ماء مصطارًا أو خمرًا ولا يقال له ماء حينئذ إلا على سبيل المجاز، وكذا لا يقال للنفس روح إلا على هذا النحو وكذا لا يقال للروح نفس إلا باعتبار ما تؤول إليه، فحاصل ما تقول إن الروح هي أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن فهي هي من وجهه لا من كل وجه، وهذا معنى حسن. والله أعلم.