السؤال:

تزوَّجت ابنة عمِّي ولم أُنجب منها. وقد حدث خلاف أصرَّ والدي ووالدتي أن أطلِّق زوجتي، بحُجة أنَّ أهلها عمِلوا لي عملاً لأُعزَل بها وأتركهما ـ أي الوالدين ـ مع أنَّ هذا لم يحدث. ورفضتُ، وغضِب أبي منِّي، ثم رضخْتُ للأمر بعد ذلك، وطلَّقتها وتزوجت بأخرى. وأنا الآن غير مستريح، وحزين. ولا أستطيع الحياة مع غير زوجتي الأولى. فعرَضْتُ على أبي وأمي لأردَّها فرفضا. فما الرأي؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
دعا الإسلام إلى التوازن بين المحافظة على حقوق الوالدين وبرهما، وبين حقوق المرأة ، ولا مانع من التحامل على المرأة برضاها ، طلبًا لمرضاة الوالدين في غير إثم ، ولكن لا يجيز الشرع طلاق الرجل زوجته، ظلمًا وعدوانًا؛ لأن والديه أرادا ذلك، فإن عصيانهما في هذا الأمر طاعة لله، منعًا من ظلم المرأة، ما لم يكن هناك داع ، ومادامت الحياة مستقرة، ولكن عليه أن يسترضي والديه ، دون طاعتهما في هذا الأمر، تطبيقًا لقوله تعالى (وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)العنكبوت : 8

يقول الدكتور محمد البهي من علماء الأزهر (رحمه الله):
الأمر في هذا السؤال لا يعود إلى الإسلام فيما يُحِلُّه.. أو يحرِّمه في العقد ثانيةً، على الزوجة المطلَّقة طلاقًا بائنًا بينونة صغرى. وهى تلك المطلَّقة التي افتدت بالتنازُل عن مهرها أو جزء منه وطلِّقت واحدة.. أو تلك الأخرى التي طلِّقت طلاقًا رجعيًّا ثم انتهت عِدّتها دون أن يراجِعَها زوجُها .
فللمُسلم أن يتزوَّج واحدة.. فأكثر.. إلى أربع، إن كان في مقدوره العدل بينهن في الإنفاق، وفي المعاشرة. وإلا وقف الإذن بالزواج له عند حدِّ الواحدة. وذلك هو منطوق الآية في قول الله تعالى: (وإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعْدِلُوا فَواحِدةٌ) (النساء: 3). “وهنَّ بنات الشُّهداء في الغزوات والحروب”
والأمر كذلك ليس أمر الإسلام في عواطف الرجل وتقلُّبها بين الحب والكراهية. فحبُّ الإنسان.. وكراهيته لإنسان آخر ترتبط بظروف وعوامل لا دخل للتشريع الإيماني في إيجادها. وإنَّما هي عوامل البيئة.. وعوامل الوفاق أو النُّفرة بين الأشخاص. وهي تعود أكثر إلى اللاشعوريّة في الإنسان. قبل أن تخضع لمنطقه ومُجريات الأحداث في حياته .
والأمر ـ أيضًا ـ ليس أمر الإسلام ـ بعد أن بانت للناس هدايته ـ أن يَبقى فريق من الناس على الاعتقاد في الخُرافة: في العفاريت، وما يُمكن لها أن تأتي به مما يقيِّد الإنسان في حركته.. ويملي عليه صورة كئيبة لحياتِه، أو لعَلاقته بالآخرين .
وإنما هو أمر التربية وتكوين العادات. فالسائل هنا أسعفه النمو البدني إلى البلوغ الجنسي فتزوَّج. ولكن لم تُسعفه التربية فيبلغ رشده النفسي والعقلي.. ويستطيع لذلك أن يفصل في مشاكله، بروح مستوحاة من مصلحة ذاته.. ومنهج السبيل المستقيم في الحياة. وهو سبيل الهداية الإسلامية .
ولو أنه بلغ رشده العقلي لأدرك الحِزْبِيّة البَغيضة الهَوْجاء في مشورة والديه عليه بأن يطلِّق زوجته؛ لأنَّها ابنة عمِّه فقط. إذ الطلاق في الإسلام لرفع الضَّرر في الحياة الزوجية.. أي في الحياة الخاصة والقاصرة على الزوجين وحدهما. وعندما يقول القرآن الكريم: (فَإِمساكٌ بِمَعروفٍ أَوْ تَسريحٌ بِإِحْسانٍ) (البقرة: 229).. لا يقوله إلا ليؤكِّد تصفية الحياة الزوجية الإنسانية من شوائب الأضرار والبغضاء والخلافات. وهذا الوضع لم يكن قائمًا يوم أن طلَّق السائل زوجته التي هي ابنة عمِّه .
ولو أن والدَي الزوج أطاعا الله فيما يقوله: (يَا أيُّها الذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ولاَ تَجَسَّسُوا ولاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) (الحجرات: 12) لَوفَّرا على نفسيهما عصيان الله فيما أشارا به على ولدهما بطلاق ابنة عمِّه من غير ضرَر في علاقتهما به.. ولوفَّرا كذلك على ولدهما الحَيْرَة والقلقَ في حياته الزوجية.. ولأعْطَيا الدليلَ أخيرًا على أن القُرْبى لها حقٌّ وحرمة، يجب أن تُصانَ عن الزَّجِّ بها في الخلافات.. والخلافات الآثِمة .
والله أعلم