السؤال:

أنا موظف أواظب على عملي، وأؤديه بإخلاص، ولا أنتظر من أحد شيئًا حتى ولا كلمة شكر، وأحيانًا يُقَدِّم لي رجل هدية تقديرًا لجهدي في قضاء مصلحته وحسن استقبالي له، فأرفضها، فيخجل مني ويبتئس، ويرى ذلك زهدًا لا مبرر له، وربما يتهمني بالتنطع في الدين، وكأنه يقول بلسان حاله: هل أنت أحسن من فلان وفلان وهل أنت الذي تتمسك بالدين وهم عنه بعيدون. وهل. وهل!! أنا أجد في نفسي حَرَجًا في قَبول الهداية وفي ردها، فلا أدري هل أقبلها على أنها هدية وليست رشوة ما دمت قد أديت عملي بإخلاص دون انتظار مثل هذه الهدية، أم أرفضها سدًّا لهذا الباب واحتياطًا من القيل والقال، وحذرًا من أن أخلط فيما بعد بين الرِّشْوة والهدية، وأنا حتى الآن لا أكد أعرف الفرق بينهما. فهل نطمع من فضيلتكم أن تُعَرِّفونا الفرق بين الرِّشْوة والهدية؟

الجواب:

بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:
يقول الدكتور محمد بكر إسماعيل الأستاذ بجامعة الأزهر:

جزاك الله خيرًا أيها الأخ الكريم عن إخلاصك في عملك وزادك هُدًى وسَدَّد خطاك، ورزقك فقهًا في الدين وصلاحًا في العمل.
وإني أنصحك أن ترد كل ما يأتيك من الجمهور الذين تقوم بقضاء مصالحهم التي أنت مختص بقضائها وقاية لدينك وعرضك، وسدًّا لهذا الباب الذي قد يتسع ويتسع على الإنسان المخلص، فيتحول إلى إنسان آخر لا يعمل عملاً دون أن يأخذ عليه مقابل من الجمهور، فيفقد الإخلاص شيئًا فشيئًا حتى يصيرَ غيرَ مخلص، ويفقد القناعة شيئًا فشيئًا حتى يحل محلَّها الطمع والجشع “والقناعةُ كَنْزٌ لا يَفْنى”.
ولا يدري بعد ذلك ماذا يكون حاله ربما يصبح إنسانًا بلا إنسانية وشخصًا بلا هُوُيَّة، ولا يبقى فيه من الإسلام إلا اسمه.

يقول الله عز وجل: (يا أيها الذينَ آمنوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشيطانِ ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشيطانِ فإنه يأمرُ بالفحشاءِ والمُنْكر.. ) (النور: 21).
أي ومَن يتبع خطوات الشيطان فإنه يصير شيطانًا مثله يأمر بالفحشاء والمنكر، وينطبق عليه قول من قال:

تأبلستُ حتى صار إبليسُ من جندي

ولكي لا يَخْفى عليك الفرقُ بين الرِّشْوة والهدية نذكر لك أن الرِّشْوة أربعة أنواع:
النوع الأول: أن يدفع ظالم لظالم شيئًا من المال، أو يقوم له بخدمة من الخدمات من أجل أن يعطيَه شيئًا ليس من حقه أن يأخذه.
الثاني: أن يقصد الظالم من الظالم تفويت حق لإنسان حقدًا وحسدًا ومَكيدة له ونِكاية فيه.

الثالث: أن يقصد الظالم من الظالم أن يوليَه عملاً ليس كفئًا له.
وهذه الأنواع الثلاثة من أشد الجرائم التي تَوَعَّد الله مرتكبيها أشدَّ العذاب.
أما النوع الرابع فهو: أن يعطيَ الرجل المرتشي شيئًا لتخليص حقه إذا لم يجد سبيلاً لتخليصه إلا بالرِّشْوة أو أراد أن يتقيَ ضررًا يلحق به أو بأولاده،وهذا فيه تفصيل.
وأما الهدية فهي ما يقدمه إنسان إلى إنسان حبًّا له وتَقَرُّبًا إليه لا لأخذ حق ليس له، ولا لضياع حق غيره، ولا ليتولى عملاً ليس كفئًا له، وهي من الأمور المُسْتَحَبَّة.

وقد وردت أحاديث كثيرة تدل على استحباب التهادي منها ما رواه مالك في الموطأ مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: “تصافحوا يَذْهَبْ الغِلُّ وتهادوا تَحابُّوا وتذهبْ الشحناء”.
ويُستحَب لمن أُهْدِيَ إليه شيء أن يقبلَه تطييبًا لنفس مُهديه إذا علم أو غلب على ظنه خلوها من شائبة الرِّشْوة والأغراض الدنيئة، فقد قبل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الهدية، وكافأ عليها، وأمر بقبولها، ونهى عن ردها لِما فيه من التنفير والإيحاش.
روى أحمد في مسنده عن خالد بن عدي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “مَن جاءه من أخيه معروفٌ مِن غير إسراف (أي تَطَلُّع وانتظار يُقال: أشرفت نفسُه على كذا أي تَطَلَّعت وانتظرت) ولا مسألة، فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه”.

وأنت أيها الأخ السائل في موقع حساس وموقف حرج، والأمر يتطلب منك أخذ الحيطة والحذر نظرًا لالتباس الهدية بالرِّشْوة، فسَدُّ هذا الباب أولى وأفضل لِما ذكرته لك من قبل؛ ولأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد عاب على رجل قد استعمله فجاء بمال كثير، فقال: هذا لكم وهذا أهدي إليّ، فقال عليه الصلاة والسلام: “ما بالُ العامل نبعثه فيأتي يقول: هذا لك وهذا لي؟ فهَلَّا جلس في بيت أبيه وأمه فينظرَ أيُهْدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، ثم قال: ألا هل بلغتُ ثلاثًا” والحديث بتمامه في البخاري.

والله أعلم