السؤال:

نريد من فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي أن يحدثنا عن جلال منصب الفتوى وكيف كان السلف رضوان الله عليهم يتعاملون مع الفتوى ؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد
الفتوى منصب عظيم الأثر، بعيد الخطر، فإن المفتي ـ كما قال الإمام الشاطبي ـ قائم مقام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو خليفته ووارثه “العلماء ورثة الأنبياء” وهو نائب عنه في تبليغ الأحكام، وتعليم الأنام، وإنذارهم بها لعلهم يحذرون، وهو إلى جوار تبليغه في المنقول عن صاحب الشريعة، قائم مقامه في إنشاء الأحكام في المستنبط منها بحسب نظره واجتهاده فهو من هذا الوجه ـ كما قال الشاطبي ـ شارع، واجب اتباعه، والعمل على وفق ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق.

واعتبر الإمام أبو عبد الله بن القيم المفتي موقعا عن الله تعالى فيما يفتي به، وألف في ذلك كتابه القيم المشهور “إعلام الموقعين عن رب العالمين” الذي قال في فاتحته :
“إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات؟ !”

وقد عرف السلف رضي الله عنهم للفتوى كريم مقامها، وعظيم منزلتها وأثرها في دين الله وحياة الناس، ومن هذا تهيبهم للفتوى ، وتريثهم في أمرها، وتوقفهم في بعض الأحيان عن القول، وتعظيمهم لمن قال: “لا أدري” فيما لا يدري، وإزراؤهم على المتجرئين عليها دون اكتراث، استعظاما منهم لشأنها، وشعورا بعظم التبعة فيها .

وأول الناس في ذلك الصحابة، فكان كثير منهم لا يجيب عن مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه، مع ما رزقوا من البصيرة والطهارة والتوفيق والسداد، كيف لا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل أحيانا فلا يجيب حتى يسأل جبريل؟

وكان الخلفاء الراشدون ـ مع ما آتاهم الله من سعة العلم ـ يجمعون علماء الصحابة وفضلاءهم عندما تعرض لهم مشكلات المسائل، يستشيرونهم، ويستنيرون برأيهم، ومن هذا اللون من الفتاوى الجماعية نشأ ـ الإجماع في العصر الأول ـ .
وكان بعضهم يتوقف عن الفتوى فلا يجيب ويحيل إلى غيره أو يقول: لا أدري. قال عتبة بن مسلم: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا، فكان كثيرا ما يسأل فيقول: لا أدري !

وقال ابن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يحدث بحديث، أو يسأل عن شيء، إلا ود أخاه كفاه !
وقال عطاء بن السائب: أدركت أقواما إن كان أحدهم ليسأل عن شيء فيتكلم وإنه ليرعد .
وقال عمر بن الخطاب: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار .
وقال ابن مسعود: والله إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون .
وروي عن ابن عباس: إذا أخطأ العالم “لا أدري” أصيبت مقتاله، ونسب إلى غيره أيضا .
وإذا انتقلنا إلى التابعين نجد سيدهم وأفقههم سعيد بن المسيب كان لا يكاد يفتي، ولا يقول شيئا، إلا قال: اللهم سلمني، وسلم مني !

وسئل القاسم بن محمد ـ أحد الفقهاء السبعة بالمدينة ـ عن شيء فقال: إني لا أحسنه، فقال له السائل: إني جئتك لا أعرف غيرك .
فقال له القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي، وكثرة الناس حولي! والله لا أحسنه، فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها، فوالله ما رأيناك في مجلس أنبل منك اليوم. فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا علم لي به .

وسئل الشعبي عن مسألة، فقال: لا أدري، قيل له: ألا تستحي من قول “لا أدري” وأنت فقيه العراق؟ فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالوا: “سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا “.

وبعد التابعين نجد أئمة المذاهب المتبوعة لا يستنكفون من قول “لا أدري” فيما لا يحسنونه.

وقد حفظ عن أبي حنيفة ـ مع براعته في الجواب، وقدرته الفائقة على الاستنباط والتوليد، مسائل معروفة قال فيها: لا أدري .

روى الخطيب البغدادي بسنده عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة يقول: لولا الفرق “الخوف” من الله أن يضيع العلم ما أفتيت أحدا. يكون له المهنأ، وعلى الوزر !
وقال أيضا: من تكلم في شيء من العلم وتقلده وهو يظن أن الله لا يسأله عنه: كيف أفتيت في دين الله؟ فقد سهلت عليه نفسه ودينه .
وكان أشدهم في ذلك مالك رحمه الله، فكان يقول: من سئل عن مسألة، فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها .
وقال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة، فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن .
وسمعه ابن مهدي يقول: ربما وردت علي المسألة، فأسهر فيها عامة ليلي .

وقال مصعب: وجهني أبي بمسألة ـ ومعي صاحبها ـ إلى مالك يقصها عليه، فقال: ما أحسن فيها جوابا، سلوا أهل العلم .
وقال ابن أبي حسان: سئل مالك عن اثنتين وعشرين مسألة، فما أجاب إلا في اثنتين بعد أن أكثر من “لا حول ولا قوة إلا بالله “.
وكان الرجل يسأله عن المسألة، فيقول: العلم أوسع من هذا وقال بعضهم: إذا قلت أنت يا أبا عبدالله: لا أدري فمن يدري؟ قال: ويحك! ما عرفتني! وما أنا؟ وأي شيء منزلتي حتى أدري ما لا تدرون؟! ثم أخذ يحتج بحديث ابن عمر يقول: لا أدري، فمن أنا؟! وإنما أهلك الناس العجب وطلب الرئاسة. وهذا يضمحل عن قليل .
وقال مرة أخرى: قد ابتلى عمر بن الخطاب بهذه الأشياء، فلم يجب فيها، وقال ابن الزبير: لا أدري، وابن عمر: لا أدري !
وقال مصعب: سئل مالك عن مسألة، فقال لا أدري. فقال له السائل: إنها مسألة خفيفة سهلة، وإنما أردت أن أعلم بها الأمير، وكان السائل ذا قدر، فغضب مالك وقال: مسألة خفيفة سهلة! ليس في العلم شيء خفيف. أما سمعت قول الله تعالى (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) فالعلم كله ثقيل، وبخاصة ما يسأل .
قال بعضهم: ما سمعت قط أكثر قولا من مالك “لا حول ولا قوة إلا بالله” ولو شئنا أن ننصرف بألواحنا مملوءة بقوله لا أدري “إن نظن إلا ظنا، وما نحن بمستيقنين” لفعلنا .

وقال أبو داود: سمعت أحمد “بن حنبل” وسئل عن مسألة فقال: دعنا من هذه المسائل المحدثة! وما أحصى ما سمعت أحمد، سئل عن كثير مما فيه الاختلاف من العلم، فيقول: لا أدري !
وجاء رجل يسأله عن شيء فقال: لا أجيبك في شيء. ثم قال: قال عبد الله بن مسعود: إن كان من يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون .
وهكذا كان أئمة الإسلام .
والله أعلم