السؤال:

ما حكم المريض الذي مات دماغه هل يعتبر ميتاً شرعاً؟

الجواب:

هناك حالات معينة لبعض المرضى، لا يكون المريض فيها أقرب إلى الموت، بل يكون قد مات دماغه بالفعل، وتعطلت كل أجهزته الدماغية تعطلاً نهائيًا لا رجعة فيه، في نظر الأطباء والثقات المتخصصين، ومع هذا يصر أهله وذووه على أن يظل تحت أجهزة الإنعاش، التي توفر له الغذاء والتنفس واستمرار عمل الدورة الدموية، وقد يدوم على هذا الحال شهورًا أو سنين، وهم ينفقون عليه بسخاء، ويتجشمون البقاء من حوله، ولو بالتناوب، ويظنون بذلك أنهم يراعون مريضهم ولا يهملونه.
والحق الصراح في ذلك أن ذلك الراقد على سريره لم يعد في عالم المرضى، بل هو في الواقع في عالم الأموات، منذ تحقق موت دماغه بالكلية.
وبهذا يكون الاستمرار في علاجه بطريق أجهزة الإنعاش ضربًا من العبث، وإضاعة الجهد والمال والوقت في غير طائل، وهو ينافى ما جاء به الإسلام.
ولو فقه أهل المريض دينهم حقًا، ووعوا حقيقة الأمر وعيًا جيدًا، لأيقنوا أن الأولى بهم والأكرم لميتهم – الذي يعدونه مريضًا – أن توقف عنه الأجهزة الصناعية، وعندئذ ستتوقف تلك المضخة التي تمد عروقه بالدم، ويرى الجميع أنه ميت حقًا.
وحينئذ يوفر أهل المريض جهدهم ومالهم ويوفرون سريرًا لمريض آخر، محتاج إليه، وأجهزة الإنعاش هي في العادة محدودة قليلة العدد، ليستفيد منها مريض حي بالفعل.
إن هذا الذي أقوله لم يعد رأيًا خاصًا لي، بل هو قرار اتخذه المجمع الفقهي الإسلامي العالمي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي والذي درس هذا الموضوع دراسة مستفيضة في دورتين من دوراته، وقدم فيه عدد من البحوث من الفقهاء والأطباء المعنيين، وبعد البحث والمناقشة أصدر المجمع قراره التاريخي في دورته التي عقدت في مدينة عمان بالأردن من 8 – 13 صفر 1407 هـ / 11- 16 أكتوبر 1986 م، بعد تداوله في سائر النواحي التي أثيرت حول موضوع ” أجهزة الإنعاش ” واستماعه إلى شرح مستفيض من الأطباء المختصين.
قرر ما يلي :
يعتبر شرعًا أن الشخص قد مات وتترتب عليه جميع الأحكام المقررة شرعًا للوفاة عند ذلك إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين:
1 – إذا توقف قلبه وتنفسه توقفًا تامًا، وحكم الأطباء بأن هذا التوقف لا رجعة فيه.
2 – إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلا نهائيًا، وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل وفى هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء كالقلب لا يزال يعمل آليًا بفعل الأجهزة المركبة
والله أعلم !!
وترتب على هذا القرار جملة أحكام شرعية، منها :
أولا : جواز رفع أجهزة الإنعاش والتنفس عن هذا الشخص ؛ لعدم جدوى بقائها.
بل أقول : يجب رفع هذه الأجهزة أو إيقافها ؛ لأن إبقاءها يخالف الشريعة في أمور عدة، منها :
تأخير تجهيز الميت ودفنه بلا ضرورة، وتقسيم تركته، ودخول زوجته في العدة، إلى غير ذلك مما يترتب على الحكم بالوفاة.
ومنها : إضاعة المال وإنفاقه في غير جدوى، وهى منهي عنها.
ومنها : الإضرار بالآخرين بحرمانهم من الانتفاع بالأجهزة التي تستخدم لإنعاشه بغير حق، ومن القواعد القطعية التي نطق بها الحديث النبوي: ” لا ضرر ولا ضرار ” (رواه أحمد وابن ماجة عن ابن عباس، وابن ماجة عن عبادة، وهو صحيح بمجموع طرقه، انظر: سلسلة (الصحيحة) للألباني رقم (250)، وانظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم (القاعدة الخامسة : الضرر يزال ) وفروعها ص 85 – 92 ط . الحلبي).
وثانيًا : يجوز التبرع ببعض أعضائه في هذه الحالة، وتكون صدقة له يثاب عليها وإن لم يوص بها . وقد صح في الحديث : ” أن الإنسان يثاب على ما يؤكل من ثمر زرعه وغرسه، سواء أكله إنسان أو طير أو بهيمة، ويكون له به صدقة (نص الحديث : ” ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة ” متفق عليه من حديث أنس، كما في اللؤلؤ والمرجان 1001 ) . وإن لم يقصد ذلك.
بل قد ثبت أن المؤمن يثاب على ما يصيبه من نصب أو وصب أو غم أو حزن أو أذى أو بلاء، حتى الشوكة يشاكها، يكفر الله بها من خطاياه.
فلا غرو أن يؤجر الإنسان المسلم إذا تبرع أهله عنه ببعض أعضائه عند ثبوت موت دماغه، لمريض آخر يحتاج إلى هذا العضو لإنقاذ حياته أو استرجاع بصره أو صحته . ولا يرتاب مسلم في فضل هذا العمل وعظيم قيمته ومثوبته عند الله تعالى.
وإذا تم هذا التبرع جاز أخذ هذه الأعضاء قبل نزع أجهزة الإنعاش ؛ لأنها أُخذت من ميت بالفعل حسب القرار المذكور ؛ ولأن أخذها بعد نزع الأجهزة يحول دون الاستفادة منها، في عملية الزرع لإنسان آخر ؛ لأنها تكون قد فقدت حرارة الحياة، وأصبحت أعضاء ميتة