السؤال:

بعد الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسوله الكريم : يقول بعض المشككين في الدين الحنيف بأن الكبت للشاب المسلم وعدم انفتاحه على الجنس الآخر هو سبب التحرشات الجنسية التي يعاني منها المجتمع الإسلامي ، فما الرد عليهم ؟ ولكم الخير الجزيل من الله تعالى

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
نقول للسائل الكريم إن الإسلام لايعرف الكبت ولم يأمر به ولم يحث عليه ولكنه دعى إلى تهذيب الشهوة ولم يأمرنا بالكبت بل إنه دعى الشباب على لسان الرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحفظ للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ).

والواقع العملي خير دليل على هذا فإن الجرائم التي تنشأ بين المجتمعات المتساهلة التي تطلق العلاقة بين الجنسين وتطلق لهما العنان أكثر من أن تذكر اما في البيئات المتحفظة فما زالت بخير إن شاء الله قد تحدث بعض التجاوزات هنا أو هناك لكنها ليست بحال من الأحوال هي القاعدة التي يقاس عليها.

إن هؤلاء الذين يطلقون هذه الشائعات يغالطون أنفسهم لأن اختلاط الجنسين لايحد من هذه الشهوة ولكنه يزيدها اشتعالا ولن نطفىء هذه الشهوة إلا بإفراغها سواء بالطريق الحلال أم بالطريق الحرام.

يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في الرد على مثل هذه الشبهات

إن الاستعمار الفكري صنع في بلادنا قوماً يصمون آذانهم عن حكم الله ورسوله , ويدعوننا إلى أن ندع للمرأة حبلها على غاربها , حتى تثبت وجودها , وتبرز شخصيتها , وتستمتع بحياتها وأنوثتها !
تختلط بالرجل بلا تحفظ , وتخبره عن كثب , فتخلو به , وتسافر معه , وتصحبه إلى السينما وتسهر معه إلى منتصف الليل , وتراقصه على نغمات الموسيقى , وتعرف في تجوالها – بالتجربة لا بالسماع – الرجل الذي يصلح لها وتصلح له , من بين من عرفتهم من الأصدقاء والمعجبين , وبهذا تستقر الحياة الزوجية , وتصمد في وجه العواصف والأعاصير !

ويقول هؤلاء الذين يزعمون أنهم ملائكة مطهرون : لا تخافوا على المرأة ولا على الرجل من هذا الاتصال المهذب , والصداقة البريئة , واللقاء الشريف , فإن صوت الشهوة – لكثرة التلاقي – سيخفت , وحدتها ستفتر , وجذوتها ستخبو , ويجد كل من الذكر والأنثى لذته في مجرد اللقاء والاستمتاع بالنظر والحديث , فإن زاد على ذلك فمراقصة , هي ضرب من التعبير الفني الرفيع ! أما المتعة الحسية فلن يصبح لها مكان , إنه التصريف النظيف للطاقة لا غير وكذلك يفعل الغربيون المتقدمون بعد أن فكوا عقدة الكبت والحرمان .

وردنا على هذه الدعوى من جهتين :
أولاً : إننا مسلمون قبل كل شيء , ولا نبيع ديننا اتباعاً لهوى الغربيين أو الشرقيين , وديننا يحرم علينا هذا الاختلاط بتبرجه وفتنته وإغوائه : ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً , وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض , والله ولي المتقين ) .

ثانياً : إن الغرب الذي يقتدون به يشكو اليوم من آثار هذا التحرر أو التحلل , الذي أفسد بناته وبنيه , وأصبح يهدد حضارته بالخراب والانهيار , ففي بلاد الغرب وغيرهما من بلاد الحرية الجنسية , أثبتت الإحصاءات أن السعار الشهواني لم ينطفئ بحرية اللقاء والحديث , ولا بما بعد اللقاء والحديث , بل صار الناس كلما ازدادوا منه عباً , ازدادوا عطشاً .

وعلينا أن نبحث : ماذا كان أثر هذا التحرر أو التطور , أو التحلل من الفضائل والتقاليد, في المجتمعات الغربية المتحضرة؟
أثر الاختلاط المطلق في المجتمعات الغربية :

إن الأرقام والوقائع التي تفيض بها الإحصاءات والتقارير , هي التي تتكلم وتبين في هذا المجال , لقد ظهر أثر الانطلاق الجنسي , الذي زالت به الحواجز بين الذكر والأنثى فيما يلي:
1. انحلال الأخلاق :
فانحلال الأخلاق وطغيان الشهوات , وانتصار الحيوانية على الإنسانية , وضياع الحياء والعفاف بين النساء والرجال , واضطراب المجتمع كله نتيجة ذلك .
ولقد قال الرئيس الراحل « كنيدي » في تصريح مشهور له , تناقلته الصحف ووكالات الأنباء عام 1962 : « إن الشباب الأمريكي مائع مترف منحل , غارق في الشهوات , وان من بين كل سبعة شبان يتقدمون للتجنيد يوجد ستة غير صالحين , بسبب انهماكهم في الشهوات » . وأنذر بأن هذا الشباب خطر على مستقبل أمريكا .

وفي كتاب لمدير مركز البحوث بجامعة هارفارد بعنوان « الثورة الجنسية » يقرر المؤلف , أن أمريكا سائرة إلى كارثة في الفوضوية الجنسية , وأنها تتجه إلى نفس الاتجاه , الذي أدى إلى سقوط الحضارتين الإغريقية والرومانية في الزمن القديم , ويقول : « إننا محاصرون من جميع الجهات بتيار خطر من الجنس , يغرف كل غرفة من بناء ثقافتنا , وكل قطاع من حياتنا العامة » .

ومع أن الشيوعيين قليلو التحدث عن مثل هذه الأمور الجنسية , ومع عدم السماح لأجهزة الإعلام والتوجيه أن تتناولها , إلا أنه في عام 1962 صدر تصريح للزعيم الروسي خروتشوف , أعلن فيه أن الشباب قد انحرف وأفسده الترف , وهدد بأن معسكرات جديدة قد تفتح في سيبيريا للتخلص من الشباب المنحرف , لأنه خطر على مستقبل روسيا !

2. في انتشار الأبناء غير الشرعيين :
وهى ظاهرة لازمة لانطلاق الغرائز , وذوبان الحواجز بين الفتيان والفتيات , وقد قامت بعض المؤسسات في أمريكا , بعمل إحصاء للحبالى من طالبات المدارس الثانوية , فكانت النسبة مخيفة جداً .
ولننظر ما تقوله أحدث الإحصاءات بهذا الصدد .. تقول :
« إن أكثر من ثلث مواليد عام 1983 في نيويورك هم « أطفال غير شرعيين » أي أنهم ولدوا خارج نطاق الزواج , وأكثرهم ولدوا لفتيات في التاسعة عشرة من العمر وما دونها , وعددهم (353ر112 ) طفلاً أي 37% من مجموع مواليد نيويورك » !! .
3. كثرة العوانس بين الفتيات والعزاب من الشباب :
فإن وجود السبل الميسرة لقضاء الشهوة , بغير تحمل تبعة الزواج وبناء الأسرة , جعل كثيراً من الشباب يختارون الطريق الأسهل , ويقضون أيام شبابهم بين هذه وتلك , متمتعين بلذة التنويع , دون التقيد بالحياة المتشابهة المتكررة كما يزعمون ! ودون التزام بتكاليف الزوجية المسؤولة , والأبوة الراعية .

وكان من نتيجة ذلك وجود كثرة هائلة من الفتيات , تقضى شبابها محرومة من زوج تسكن إليه ويسكن إليها , إلا العابثين الذين يتخذونها أداة للمتعة الحرام , ويقابل هؤلاء الفتيات كثرة من الشباب العزاب المحرومين من الحياة الزوجية , كما تدل على ذلك أحدث الإحصاءات , فقد صرح مدير مصلحة الإحصاء الأمريكية في 22 من ذي القعدة 1402 هـ ( الموافق 10 سبتمبر – أيلول -1982 م ) : « أنه لأول مرة منذ بداية هذا القرن تصبح أغلبية سكان مدينة سان فرانسيسكو من العزاب » .
وأوضح « بروس شامبمان » في مؤتمر صحفي نظمته الجمعية الاجتماعية الأمريكية أنه « وفقا لأرقام آخر تعداد فإن 53% من سكان سان فرانسيسكو غير متزوجين » وأعرب عن اعتقاده بأن هذه الأرقام يمكن أن تكون مؤشراً على أفول الأنموذج العائلي التقليدي !!.

وأضاف شامبمان : « إن هذه التغييرات الاجتماعية ملائمة لتحقيق الرفاهية في المدينة التي زاد عدد سكانها من الشباب بين 25 و 34 سنة بمقدار (4ر40% ) خلال العشر سنوات الأخيرة » .
وقال : « إن التعداد لم يشمل عدد المصابين بالشذوذ الجنسي الذين يقطنون المدينة والذين يشكلون 15 % من السكان تقريبا » .

ولا عجب بعد ذلك أن نقرأ في الصحف مثل هذا الخبر : « خرجت النساء السويديات في مظاهرة عامة , تشمل أنحاء السويد , احتجاجا على إطلاق الحريات الجنسية في السويد , اشتركت في المظاهرة (000 ر100 ) امرأة , وسوف يقدمن عريضة موقعة منهن إلى الحكومة , تعلن العريضة الاحتجاج على تدهور القيم الأخلاقية » .
إن فطرة المرأة وحرصها على مصلحتها ومستقبلها , هو الذي دفع هذا العدد الهائل إلى التظاهر والاحتجاج .

4. كثرة الطلاق وتدمير البيوت لأتفه الأسباب :
فإذا كان دون الزواج هناك عقبات وعقبات , فإن هذا الزواج , بعد تحققه غير مضمون البقاء , فسرعان ما تتحطم الأسرة , وتنفصم الروابط لأدنى الأسباب .
ففي أمريكا تزداد نسبة الطلاق عاماً بعد عام إلى حد مفزع . والذي يقال عن أمريكا , يقال عن معظم البلاد الغربية .

5. انتشار الأمراض الفتاكة :
انتشار الأمراض السرية , والعصبية , والعقلية , والنفسية , وكثرة العقد والاضطرابات التي يعد ضحاياها بمئات الألوف .
ومن أشد الأمراض خطراً : ما اكتشف أخيراً وعرف باسم « الإيدز » الذي يفقد المناعة من الجسم ويعرضه للتهلكة وغدا يهدد الملايين في أوروبا وأمريكا بأخطر العواقب , كما دلت على ذلك التقارير الطبية والإحصاءات الرسمية التي نشرتها مجلات وصحف في العالم كله , وصدق بهذا ما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال في حديثه : « لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا » .

هذا غير الأمراض العصبية والنفسية التي انتشرت عندهم انتشار النار في الهشيم , وامتلأت بمرضاها المستشفيات والمصحات .
فهل يريد دعاة الاختلاط أن ينقلوا هذه العلل والأمراض إلى مجتمعاتنا وقد كفانا الله شرها وأعاذنا منها ؟! أم أن هذه الأرقام والإحصاءات غائبة من أذهانهم ؟!

لقد زعم « فرويد » ومن تبعه من علماء النفس أن رفع القيود التقليدية عن الغريزة الجنسية يريح الأعصاب , ويحل عقد النفوس , ويمنحها الهدوء والاطمئنان .
ها هي القيود قد رفعت , وها هي الغرائز قد أطلقت , فلم تزد النفوس إلا تعقيداً , ولم تزد الأعصاب إلا توتراً , وأصبح القلق النفسي هو مرض العصر هناك , ولم تغن آلاف العيادات النفسية عنهم شيئاً .

والله أعلم