السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: علمائي الأفاضل بارك الله فيكم ،أما بعد: فإن من يتحقق من آيات الناسخ والمنسوخ يرى أنها لا ناسخة ولا منسوخة ولكن المفسرين السابقين لم يعرفوا لها تفسيرًا، ولم يعرف لها الفقهاء تعليلاً، فوجدوا من الأسهل عليهم أن يقولوا:إنه منسوخ.ألا ترون أن آيات الناسخ والمنسوخ هي عبارة عن أحكام لأوقات وحالات وأسباب مختلفة؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

بسم الله ،والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله ،وبعد:

النسخ موجود في القرآن على رأي جمهور الفقهاء،ولكن النظرة إلى النسخ في القرآن كانت زائدة عند كثير من المفسرين والعلماء ،ومن أفضل من كتب في هذا الأمر فضيلة الدكتور الشيخ مصطفى زيد رحمه الله ،وكان رئيسًا لقسم الشريعة بكلية دار العلوم ،ونال درجة الدكتواره في النسخ ،بعنوان :النسخ في القرآن ،وأثبت أن النسخ الموجود في القرآن يقتصر على خمس آيات فحسب،ولسنا بصدد مناقشة ماتوصل إليه الدكتور مصطفي زيد –رحمه الله – ولكن المقصود هو الإشارة إلى أن النسخ زيد فيه ،والأرجح أن النسخ موجود في القرآن قليل جدًا.

يقول الدكتور أحمد الشرباصي الأستاذ بجامعة الأزهر –رحمه الله -:

النسخ في الشريعة الإسلامية معناه إزالة الحُكم أو تغييره، ولقد كان موضوع النسخ من الموضوعات التي ثار حولها خلاف كثير بين القدماء والمتأخرين، وقد توسَّع بعض المفسرين في القول بوقوع النسخ في كثير من الآيات حتى بلغوا بالآيات المنسوخة نحو ثلاثمائة آية، وهذا من غير شك إسراف في باب القول بالنسخ، وإذا كان النسخ قد وقع في القرآن الكريم لبعض الحِكَم، كالتدرج في التشريع، فإنه قد وقع في آيات قليلة معدودة.

والدليل على وقوع النسخ قول الله ـ تبارك وتعالى ـ في سورة البقرة: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الآية : 106).

وبعض العلماء يستدل على النسخ أيضًا بقول الله تعالى في سورة النحل: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنَْ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثُرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (الآيتان : 101 ـ 102).

ومن الآيات المنسوخة قول الله ـ جل جلاله ـ في سورة الأنفال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّض الْمُؤْمِنينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) (الآية: 65).

وقد نسخت هذه الآية بآية بعدها في سورة الأنفال أيضًا وهي قول الله سبحانه: (الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يِكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يِكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الآية 66).

ومن الآيات التي قال الفقهاء إنها منسوخة قول الله تعالى في أول سورة المزمل: (يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً . نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً . أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً) (الآيات 1 ـ 4).
وقد نُسخت هذه الآية في السورة نفسها بقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقَرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَؤوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوه عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الآية : 20).

ومن الخير عدم التوسُّع في القول بنسخ آيات لم يَقُمْ الدليل القويُّ على نسخها.
والله أعلم