السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أفيدوني أفادكم الله. قبل وفاة أبي بعام قام بتسليم كل فرد منا 3 بنات وولد أوراق الحسابات الخاصة التي قام بادخارها لكل منا، وطوال سنوات الغربة التي عانى فيها الكثير كنا نعلم كم عانى من أجل أن يوفر لنا ذلك، فلم يجرؤ أحد منا سحب أي مبلغ دون الرجوع إليه احترامًا له، وحدث أن قام أخي بسحب كل ما يوجد في الحساب إزاء مشاجرة تمت بين أخي وأختي، وكان أبي يرحمه الله في صفّ البنات، مما جعل أخي - سامحه الله - يقوم بسحب كافة الأموال التي كان أبي قد وضعها في حسابه، وسلمه أوراقها. وعندما علم أخي بهذه الوصية أقام دعوى قضائية يطعن في الوصية وشرعيتها، وعندما علم أبي بذلك من البنك أصابته صدمة عنيفة، وبلغه بإرجاع النقود لاحتياجه لها في مرضه، ورفض أخي إرجاع النقود لأبي، مما كان له أثر سيئ لديه، وتُوفي أبي وهو غاضب منه، وكان قد كتب وصية بثلث التركة للبنات وكانت هذه الوصية بمثابة عقاب لأخي كتبها أبي قبل وفاته وهو مدرك تمامًا ما أوصى به.  وقد قمت عن نفسي برفض هذه الوصية؛ وذلك لعدم ارتياحي لها وتمسكت بحقي الشرعي فقط، ونصحت أخواتي البنات بترك هذه الوصية، وذلك لندفع أي شك في خطأ وقع فيه والدنا، وكذلك حفاظًا على صلة الرحم مع أخي، كما أوصانا الله بها، فلم تفلح محاولاتي العديدة لإقناعهم ومضوا في طريقهم لتنفيذ الوصية عن طريق القضاء.  ولم تفلح دموع أمي رحمها الله أن تثنيهم عن مواصلة المطالبة بتنفيذها. وحاولت أيضًا مرارًا مع أخي لكي أثنيه عن الدخول مع أخواتي البنات للنزاع في المحاكم، حفاظًا على اسم وسمعة والدنا، وطلبت منه أن يعتبر ذلك عقابًا له في الدنيا لما سلف أن فعله مع أبي، فرفض التنازل عما يعتبره حقه لأي سبب كان، واتهمني كل طرف منهم بعدم مساندة الحق، وكنت قد نزهت نفسي بالخوض في نزاعاتهم بتوكيل محامٍ عني يعلن رفضي لهذه القضية من البداية.  أرجو إفادتي بما ترونه في حكم الشرع، وما موقف إخوتي الشرعي؟ ثم ما هي واجباتي نحوهم وقد اتخذوا موقفًا مني في هذا الموضع رغم محاولتي الكثيرة لصلتهم وبرهم. أفيدوني أفادكم الله.  

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإن الأمر الذي لا مرية فيه أن والدكم ـ عليه الرحمة ، سامحه الله،  وغفر الله له ـ اهتم ببناء الأجساد ولم يهتم ببناء الأرواح على منهج التربية الإسلامية، وأن توزيعه للمال وهو حي بهذه الطريقة المذكورة في السؤال تُعدّ مخالفة شرعية؛ لأن المسلم مطالب أن يترك تركته بعد موته توزع وفق المنهج الذي وضعه الله في كتابه المحكم، ويكفي أن أذكركم لتتعظوا أنتم الآخرون؛ لأن الله يقول في آخر أول آية في الميراث: “آبَاؤُكُمْ وَأَبَنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ الله…”[النساء:11]، وإن نتيجة المخالفة عادت على الأب ما قررتم في السؤال بكبته وحرمانه وهو حي، وهذا أمر يجعلكم تتعظون به إن كان لكم أيها الورثة قلب وعقل يعي الأمور والحكمة.

وأمَّا الأخ الذي سحب ما وضعه له أبوه في حياته دون أن يحترم وصيته، وكذلك البنات اللاتي أقمن منهج العناد كوسيلة للحصول على أكثر من حقهما في الميراث، فأولئك جميعًا يُعدّون في نظر الشرع عاقين للوالدين، وبخاصة أن الأم ـ لا زالت على قيد الحياة ـ كان يجب أن تحترم وألا تكبت كما كبت الأب من قبل.

وعليه أقول للأخت السائلة: أنت قد وقفت عند حدود الله، فعليك أن تأخذي حظك الشرعي من التركة دون أن تطمعي في زيادة عليه، وإن موقفك أمام القضاء بالرفض موقف مشرف لكِ في الدنيا والآخرة، وثقي إن شاء الله أن الله جلّت حكمته سيبارك لكِ فيما أخذت من الحلال، وسيبقى لكِ نفعًا لك ولأولادك من بعدك.
وأن البركة سترفع مما ملكت أيدي إخوتك؛ لأنهم يأخذون مالاً مبنيًّا على العقوق للوالد والوالدة حيّين وميّتين؛ لهذا التصرف السيئ الذي ما كان ينبغي مع ما ترك الأب من مال أجهد نفسه في جمعه في غربته، ولو تمثلتم جميعًا قول الله تعالى: “الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً”، وبعدها: “وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ…”[الكهف:47]، كأن الله يقول: والباقيات الصالحات خير ليوم نسير الجبال، وترى الأرض بارزة.

 أسأل الله أن يجمعكن على نزع فتيل الفتنة وحب المال؛ لأنكم ستقعون في ظل قول النبي صلى الله عليه وسلم: “البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والدياَّن لا يموت، اعمل ما شئت فكما تدين تدان”، فكما فعلتم في أبيكم وأمكم سيفعل فيكم من أبنائكم.

والله أعلم.