السؤال:

رجل يعمل في مِهنة الحِلاقة، رأى تجديد محله وتجميله، فلم يَجد المال الكافيَ، فلَجأ إلى الاقتراض بالرِّبَا، ولمَّا وُجِّهَ إليه اللوم قال: ماذا أصنع؟ إنها الضرورة تُبيح المَحظورة. فقيل له: ليست هذه ضرورة. فقال: لا، بل هي ضرورة. فما الصواب؟

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
يقول الأستاذ الدكتور عبد الرازق فضل الأستاذ بجامعة الأزهر :ـ

قبل الإجابة على السؤال أحب أن أنبّه إخواني أن يَعلموا عِلْمًا أكيدًا أن الكثرة مِن البرَكة وليست البركة مِن الكثرة، فكم مِن الناس يكسبون في يومٍ ما لا يستطيع كَسْبَه غيرُهم في أزمنة مُتطاولة، وإذا رأيت قليل الكسب ووقفتَ على بعض حاله رأيتَه في نِعمة وهيئةٍ وحالة مَعيشية أسعدَ مراتٍ ومراتٍ مِن ذلك الذي يَكسب أضعافه، وما ذلك إلا لأن الأول كسب الكثير عَدًّا القليل برَكة، والآخر كسب قليلًا صادفَتْه البركة فضُوعِفَتْ قِيمتُه مِن حيثُ لا يدري، إذًا فالبركة زيادة غير حِسِّيَّةٍ ليس لها إلا فضل الله، وفضل الله لأهل طاعته عز وجل، وليس الربا أخْذًا وعطاءً إلا حربًا لله ورسوله، قال تعالى: (وأحَلَّ اللهُ البَيْعَ وحرَّمَ الرِّبَا) وقال: (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وذَرُوا مَا بَقِيَ مِن الرِّبَا إنْ كُنتمْ مُؤمنينَ. فإنْ لم تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بحَرْبٍ مِن اللهِ ورَسُولِهِ) هذا أمرٌ مُقرَّرٌ معلوم مِن الدين بالضرورة.

وأظن أن الأخ صاحب صالون الحِلاقة يُبادر ويقول: أنا لا أقول بحِلِّ الربا، بل أعلم أنه مُحرَّم وأن المُتعامل به في حربٍ مع الله ورسوله، لكني أقول إن للضرورة أحكامًا وإن الضروراتِ تُبيح المَحظورات.

وأبادره أنا فأقول: نعم يا أخي، إن الضرورات تُبيح المَحظورات، لكن الضرورة يا أخ الإسلام تُقدَّر بقَدْرِها، أي لو أن إنسانًا أقفَرَتْ به الطريقُ حتى كادَ الظمأُ يَحرقه ولم يجد الماء، فله أن يَبُلَّ رِيقَه بشيء مِن الخمر إنْ وَجَدَها، يبلُّ ريقَه فقط لا أن يَعُدَّهَا فُرصة ويَعُبَّ منها حتى الثمالة.

وكذلك لو كاد يموت مِن الجوع ولم يجد إلا لحم الخنزير فله أن يأكل منه القليل الذي يبلِّغه النجاةَ حتى وِجدان الحلال، قال تعالى: (فمَنِ اضطُّرَّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثْمَ عليهِ إنَّ اللهَ غَفورٌ رَحيمٌ) ومعنى (غيرَ باغٍ): غير مُتَّبِغٍ فيه شَهْوتَه. كما قال بعض العلماء، ومعنى (ولا عادٍ): ولا مُتجاوِزٍ حدَّ الحلال، وهو نَجاتُه.
وعلى ذلك فالصواب في موضوع السؤال ـ فيما أعلم، والله أعلم ـ رأيُ مَن رأى حُرمة الاقتراض بالربا لتَجديد المَحلِّ؛ لأن المَحلَّ قائم والزبائن آتية، والتجميل إنما يكون بما هو جميل، ولا جميل إلا الحلال. فلْنَتَّق اللهَ في التسبُّب لنَيْلِ رزقِ الله، إنَّ مَا عندَ اللهِ لا يُنال إلا بِطاعة الله، هذا
والله أعلم.