السؤال:

أسأل عن صلاة بعض ركعات التطوع وجعل أجرها لأبى ، فهل يجوز لى ذلك ؟

الجواب:

أجاز الفقهاء الصلاة عن الميت، وكذلك كل عبادة بدنية كالصوم والحج،وقالوا: إن ثواب الصلاة تصله، ولكن لا يعني هذا أن يرفع عنه ما قصر فيه من ترك الصلاة، ومنع الإمام مالك الصلاة عن الميت.

يقول الشيخ حسنين مخلوف مفتي مصر الأسبق رحمه الله:
يرى ابن قدامة في المغني أن أية قُرْبة فعَلها الإنسان وجعل ثوابها للميت نفعه ذلك بمشيئة الله ـ تعالى.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاويه: الصحيح أن الميت ينتفع بجميع العبادات البدنية من الصلاة والصوم والقراءة، كما ينتفع بالعبادات المالية من الصدقة ونحوها، وكما لو دُعي له. اهـ. وهو صريح في انتفاعه بالصلاة عنه وفراغ ذِمَّته ممَّا وجب عليه منها عند الحنابلة.
وذهب الحنفية في الاستحسان إلى أن الصلاة عن الميت تنفعه ويصل ثوابها إليه إذا وُهبت له، ولكنها لا تُسقط عنه ما وجب عليه في ذِمَّتِهِ منها وإنما الذي يُفرغ ذمته الإطعامُ عن كل صلاة، كما تقدم في الصوم أنه لا يُصام عن الميت وإنما يُطعم عنه لكل يوم مسكينٌ. وتُعتَبر كل صلاة بصومِ يومٍ في الصحيح.

فلا يجوز أن يصوم الوليُّ أو يُصلِّيَ عن الميت ليكون قضاءً عمَّا وجَب عليه؛ لمَا رواه ابن عباس مرفوعًا “لا يصوم أحدٌ عن أحد ولا يُصلِّي أحدٌ عن أحد”. ولكن للولي وغيره أن يجعل ثواب صومه أو صلاته للميت تبرُّعًا بمثابة الصدَقة، لمَا صرَّح به في الهداية مِن أن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاةً أو صومًا أو صدقةً أو حجًّا أو غيره. ورَوى الدارقطني أن رجلاً سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال كان لي أبوانِ أبرهما حال حياتهما فكيف لي ببِرِّهُما بعد موتهما؟ فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ “إن مِن البرِّ بعد الموت أن تُصليَ لهما مع صلاتك، وتصومَ لهما مع صيامك”.

وتقدم عن “البدائع في ترتيب الشرائع للكاساني الحنفي ” أن حديث “لا يصوم أحدٌ عن أحد ولا يصلي أحدٌ عن أحد” إنما هو في حق الخروج عن العُهدة لا في حق الثواب، فإن من صام أو صلى أو تصدَّق وجعل ثوابه لغيره من الأموات أو الأحياء جاز، ويصل ثوابها إليهم عند أهل السُّنة والجماعة وعليه عمل المسلمين مِن لدُنْ عهد النبوة إلى يومنا هذا. اهـ.

وذهب مالك إلى أن الصوم عبادة بدنية لا تُقبل فيها النيابة، فكما لا يُصلِّي ولا يتوضأ أحدٌ عن أحد، لا يصوم أحدٌ عن أحد، فإذا مات وعليه صوم فلا صيام ولا إطعام عنه إلا أن يُوصيَ به، ذكره الإمام أبو الوليد محمد بن أحمد الشهير بابن رشد الحفيد القرطبي المالكي المتوفى بمراكش سنة595 هـ في “بداية المجتهد” قال الشافعي: فيُطعم عنه وليُّه وُجوبًا. وبهأفتي في مذهبه الجديد.

ومما تقدم في موضوع الصوم والصلاة والإطعام عن الميت يظهر انتفاع من مات وعليه صوم واجب بصوم غيره عنه، وبإطعام غيره عنه ووُصول ثوابهما إليه. وكذا انتفاع من مات وعليه صلاة واجبة بصلاةٍ غيره عنه وإطعامه عنه عن كل صلاة ووصول ثوابهما إليه وإنْ لم يَسقط عنه فرض الصوم وفرض الصلاة في بعض المذاهب، بل يكون ثوابهما كثواب الصدقة يمحو السيئات ويُكثر الحسنات.
ولا شك أن في الإطعام عنه برًّا بالمساكين وسدًّا لحاجتهم، ولذلك ثوابٌ عظيم، وما عمل ذلك إلا لأجله، فيَصِل إليه ثوابه لتَسَبُّبِهِ فيه في الحقيقة.


الوسوم: