السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم في بلادنا عندما نحتاج إلى مال نقوم باستلاف المال ، و من يقم بتسليفنا نرهن عنده قطعة من الأرض على قدر المال المأخوذ ، و الدائن يقوم باستغلال الأرض الزراعية ، ويقوم بزراعتها ، حتى يرزقنا الله المال الذي نستطيع به فك الرهنية ، و هذا عرف متبع عندنا في بلادنا … فما رأي الشرع في هذا العرف ؟ أفيدونا مأجورين

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة و السلام على رسول الله وبعد :
يسأل كثيرون ـ وخاصة من إخواننا الرِّيفِيِّينَ ـ عن حُكم الشرع فيما هو شائع عندهم من رهْن الأطيان، وهل يُباح للدائنِ أن يستغل الأرض المَرهونة بزراعتها أو إيجارها لحسابه مدةً تَطول أو تقصُر حتى يُؤدي المَدِينُ دَيْنَهُ، ويفكُّ الرهْن، مع العلم بأن هذا بإذن الراهن ورِضاه؟
الرهن إنما شرع ليستوثق للدين حتى يستوفى من المدين و هو جعل عين وثيقة للتأمين على دين أو عين مضمونة .
وهذا العقد ليس المقصود منه التربح و الاستثمار يقول الشيخ محمود شلتوت مبينا حِكْمة الرَّهن في نظر الشريعة:
تنظر الشريعة إلى المال نظرةً واقعيةً، تطلب تحصيله من الطرق التي لا اغتيال فيها ولا استغلال، وتطلب المُحافظة عليه مِن الضَّيَاع. وقد أرشدتْ في حِفْظه ـ إذا كان دينًا ـ إلى كتابته والإشهاد عليه، وإلى أن يأخذ به رهنًا يقوم مقام الكتابة في الاستيثاق والحفظ، ونزلتْ في ذلك أطولُ آية في القرآن، وهي قوله ـ تعالى ـ في سورة البقرة: (يا أيُّها الذينَ آمنوا إذا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ). (الآية 281 من سورة البقرة) إلى أن يقول: (وإنْ كُنْتُمْ على سَفَرٍ ولمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ). (الآية: 282 من سورة البقرة). وصحَّ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه اشترى، وهو في المدينةِ، طعامًا مِن يَهُودِيٍّ ورهَنَهُ دِرْعًا مِن حديدٍ.

ودَلَّ هذا على أن مشروعية الرهْن ليست خاصة بحال السفر، وأنه مشروع في السفر والحضر معًا. والرهْن بعُمومه يشمل المَنقول كالمتاع والدابَّة، والعقار كالدار والأرض.

الرهن عقد استيثاق لا استثمار:
وعلى هذه المشروعية العامة اتَّفق الفقهاء، كما اتَّفقوا أيضًا على أن عقد الرهن ليس عقد استثمار واسترْباحٍ ، وإنما هو عقد استيثاق وضمان للدَّيْنِ.
وهو في ذلك بمعنى الصَّكِّ والكفيل. وقد كان منه ضرورة اتَّفاقهم على أن طبيعة عقد الرهن كما ذكرنا اتِّفاقهم على أنه ليس للدائن بمُقتضاه أن ينتفع بشيء من العيْن المَرْهونة.

الانتفاع بالعيْن المرهونة إذا أذِن الراهن:
ولكنْ هناك شيء آخر وراء عقد الرهن وطبيعته وهو: هل يحلُّ للدائن أن ينتفع بالعين المرهونة إذا أذِن له صاحبها وهو المَدين؟.
وقد عرَض الفقهاء لهذه المسألة وكان لهم فيها رأيانِ: فغيرُ الحنفية يرون أنه لا يحلُّ له أن ينتفع بها وإن أذِن له صاحبها؛ لأنه يكون انتفاعًا جَرَّهُ قَرْضٌ، وهو مَنْهِيٌّ عنه بالحديث: “كلُّ قرْضٍ جَرَّ نَفْعًا فهوَ رِبًا”.
أمَّا الحنفيَّة فقد جاء في مُعتبرات كُتبهم التصريحُ بجواز انتفاعه بها إذا أذِن له صاحبها؛ لأنها مِلْكُه، وللمالك أن يأذن لمَن يشاء في الانتفاع بملكه.
ويقولون: إن الانتفاع بالرهْن انتفاع جَرَّهُ الإذْن ولم يَجُرَّهُ القرْض فلا يكون حرامًا.

الإذْن الصُّوريُّ لا قيمة له في رأينا:
وما دام كلامنا في الحلال والحرام، فالذي نراه أن هذا الإذْن إنْ كان منشؤه مَحْضَ التبرُّع المبني على مَحبَّة مُقابلة الجميل بالجميل، وتبادُل التعاون على الخير، حَلَّ للدائن أن ينتفع به.
وإنْ كان منشؤه اضطرار المَدِين إليه دفعًا لضغطِ الدائن عليه، وهو في عُسْرةٍ مالية يستحقُّ بها المَعونة مِن أخيه كان إذنًا صوريًّا لا يدلُّ على الرضا وطِيبِ النفس.

وإذنْ. فلا يحلُّ للدائنِ أن يستند إلى هذا الإذْن الصُّوريِّ في استغلال أخيه المُضطر المَقْهور.
ولا شكَّ أن انتهاز فُرَصِ الضرورة، لاستغلال المُعْدم، هو الروح الخبيث الذي لأجلهِ حَرَّمَ الله الربا (وإنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أمْوالِكمْ لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ). (الآيتان: 279 ـ 280 من سورة البقرة).

كيف وقد تمتدُّ عُسرة المدين الواقع في الضرورة مدةً تَصِلُ فيها منفعة العيْن المرهونة إلى أضعاف الدَّيْنِ المُضاعفة، يستغلُّها الدائن باسم الإذْن القَهْرِي مع بقاء دينه كاملًا على المَدين، وكثيرًا ما خَرِبتْ به بيوتٌ وافتقَر مُلَّاكٌ.

وفي الحق أنه إذا دار الأمر بين الانتفاع بالرهْن على هذا الوجه، وبين الفائدة للدَّيْنِ التي يسمح بها القانون كانت تلك الفائدة أقلَّ ضررًا وحُرمةً مِن هذا الرهن، الذي يجب منْعه، قطعًا لأطماع المُستغلينَ لضرورات الناس، ومُحافظةً على بيوت المُضطرينَ من الخراب.

وبما أن أكثر ما يجري بين الناس الآنَ في رهن الأرض هو من هذا النوع ـ الاستغلالي ـ فإنه ولا شك يكون حرامًا، ويَمْقُتُهُ دِينُ الرحمة والتعاون.

في كتب الفقه:
ومِن قبلُ شَكَا العلماء في مصر من انتشار هذه المُعاملة المَحظورة، قال الصاوي من المالكية: “وممَّا عمَّتْ به البَلْوَى في مصرَ جميعِها ـ حتى لم يقدر أحدٌ من أهل العلم على رفعه ـ أن يبذل الرجلُ لآخرَ دراهمَ، ثم يأخذ منه أرضًا زراعيةً أو حائطًا: “بستانًا” رَهْنًا، على أن يزرع الأرض أو يأخذ ثمر الحائط ما دامت الدراهم في ذمة آخذِها، ثم زادوا في الضلال إلى أنه إذا ردَّ آخذُ الدراهم ما في ذِمَّته ليأخذ أرضه أو حائطه توقَّف مُعطيها في القبول، فتارةً يشتكيه إلى أُمرائها ليَنصروا الباطل، وتارةً يُصالحوه على دفع شيء له ليستمر على ذلك السَّنةَ أو السنتينِ أو الأكثر. فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون”. (ص: 103 الشيخ الصاوي).
“قوله: على أن يزرع الأرض إلخ” وقال الدردير: مسألة رهن الأرض والحائط هي المسماة بين الناس بالفاروقة، وهي مَمنوعة مطلقًا ، ولو شرط المنفعة في مدة معينةٍ؛ لأنها في قرْض لا بيعٍ. ولا ينفعه أن يقول: وهَبْتُكَ المنفعة ما دامت دراهمكُ عليَّ؛ لأنها حيلةٌ باطلة عندنا وهي من الربا، فيجب على واضع اليد على الطين في نظير دراهمه الإقلاع عنه وترْكه لصاحبه. والاستمرار عليه مُحرَّم. ولكن إذا دَفع وزَرع الأرض يكون الزرع له وعليه أُجرة مثل الأرض لصاحبها، فيُقاصِصه بها مِن أصل الدَّيْنِ الذي عليه، فإن كان يدفع الخراج للمُلتزم ، وكان قدْر أُجرة الأرض لا يلزمه أجرة لربها كما قدَّره الأشياخ. (103 ـ 104 من الشرح الصغير للشيخ: الدردير). انتهى

وعلى هذا فلا يحل للمرتهن أن ينتفع بالعين المرهونة ولو أذن له الراهن، لأنه قرض جر نفعًا وكل قرض جر نفعًا هو من الربا.

والله أعلم .