السؤال:

لماذا جاء الإسلام بتحديد أنصِبة الوارثين؟ ولماذا يجزِّئ الميراث إلى أجزاء عديدة؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخانا الفاضل أكرمك الله وهداك إلى مايحبه ويرضاه وبعد:

لله سبحانه وتعالى حكمه وقوانينه التى تسمو بالنفوس البشرية وتحميها من نوازع المادة ‘وإليك فتوى دكتور محمد البهى رحمه الله عميد كلية أصول دين جامعة الأزهر سابقا:

بالإرث في الإسلام لا تطغَى مشكلة رأس المال، يقول الله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ولِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) (النساء: 11).

إن حركة المال ـ في نظر الإسلام ـ تدور بين عاملين: أحدهما يزيد ويُنَمَّى. وهو سعي الإنسان ونشاطه: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وابْتُغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ) (الجمعة: 10). والعامل الثاني يَحُدُّ من تجمع المال والاستمرار في الزيادة وهو الإنفاق في سبيل المصلحة العامة التي يأخذ شعار سبيل الله. وقد يأتي هذا الإنفاق على كلِّ الزيادة التي هي فوق حاجة المالك: (ويَسْألونَكَ مَاذَا يُنْفِقونَ قُلِ العَفْوَ) (البقرة: 219).وإذن بينما الإنسان في سعيه ونشاطه يزيد في ماله، إذا بإرادته في الإنفاق على المصلحة العامّة قد لا توفّر لديه سوى حاجته الخاصة في ماله. والإنسان المسلم في ماله يدور ـ إذن ـ بين المحافَظة على ذاته، وبين تحقيق ميله الاجتماعي. وهو إذ يصعد بماله إلى الذِّروة في الزيادة. فإنّه يعود به حتى الوفاء بالحاجة الخاصة فقط. وهكذا حركة مال المسلم تدور بين عامل يصعد به.. وآخر ينزل به.

وهنا عامل آخر وراء ذلك العامل الذي ينزل به. وهو عامل التفتيت والتجزئة لما تبقَّى للمالك من مال، بعد وفاته. وهو عامل الإرث. وآيات الميراث التي تأمر بقسمة المال على ورثة المتوفَّى المالك له ـ كتلك الآية السابقة ـ تنشُد عدم تكديس المال وإبقائه في يد واحدة، حتى لا يصبح عامل خطر على الآخرين، بدل ما هو مصدر منفعة للجميع. إذ نظرة الإسلام التي يوحي بها قوله تعالى: (واللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الذِينَ فُضِّلُوا بَرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ) (النحل: 71). تفيد أن المال المملوك لواحد تتعلَّق بمنفعته حقوق لمَن لا يملكون معه في المجتمع.

وخطر المال عند تكديسه قد يتمثَّل في اكتنازه وعدم تداوله. وقد يتمثل في احتكار السِّلع عن طريقه. وقد يتمثّل في التحكُّم به في مجال العمل. أي أنّه قد يصبح مصدر نفوذ واستغلال. أي أنه يتحوّل إلى نظام رأس مالي.

فإذا دخل عامل الإرث على نحو ما جاءت به الشَّريعة الإسلامية، ووزّع المال الوفير الموروث على كثيرين من أصحاب القروض ومَن يتبعهم في الحقوق من أصحاب القَرابة. فإن خطره على المجتمع يزول، أو يضعُف على الأقل. وبذلك يكون الإرث في الإسلام وقاية من الطغيان بالمال. بينما نظام الإرث في مجتمعات الحضارة المعاصرة يساعد على بقاء القُوّة للمال وبالتالي على بقاء خطره في التكديس والتجميع؛ لأن نظام تلك المجتمعات في الإرث ينقل مال المتوفَّى إلى واحد هو الولد الأكبر، أو إلى أقل عدَد ممكن، احتفاظًا للأسرة بجاهِها المُسْتَمَدّ من قوة المال. وبذلك يُبقي على النزعة التي تتخذ من المال سيطرة، ودرعًا في استعراض القوة في حلية المنافسة الأُسرِيّة.

ومُفارَقة نظام الإرث في الإسلام، لما هو سائد في المجتمعات الحضارية المعاصرة.. ترجع إلى أن وظيفة المال اجتماعية كما يراها الإسلام، أي أنه في خدمة الحاجة في المجتمع، وليس للقهر والاستيلاء أو الاستذلال للإنسان، فردًا وجماعة.

والله تعالى أعلم.