السؤال:

تعاقدت مع رجل على شراء شقة ودفع لى عربون وأشترطت فى العقد أن يضيع العربون إذا أخل بدفع المبلغ كاملا. فما حكم هذا التعامل ؟وهل يحل لى هذا العربون ؟ وإذا كان هذا المال لا يحل لى فهل يمكننى إنفاقه فى وجه من وجوه الخير؟

الجواب:

هذا التعامل الذى بينته فى سؤالك يسمى “بيع العربون”وهو من الأنواع المنهى عنها فى البيع وإليك فتوى الدكتور رفعت فوزى أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة يقول فيها: بسم الله الرحمن الرحيم

روى مالك في الموطأ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال:” نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن بيع العُربون، ورواه أيضًا أحمد والنسائي وأبو داود، ورواه البيهقي موصولاً.
وقد فسَّر الإمام مالك العربون قال: ذلك فيما نعلم أن يشتريَ الرجل العبد أو يكتريَ الدابة ـ أي يؤجِّرها ـ ثم يقول: أعطيك دينارًا، على أني إن تركت السلعة أو الكِراء فما أعطيتُك لك.
وهذا الحديث قد ورد من طرق يُقوِّي بعضها بعضًا، وهو يدلُّ على تحريم لبيع مع العُربون، لما فيه من الشرط الفاسد والغَرَر، وأكل أموال الناس بالباطل، وقد نصَّ على بُطلان البيع مع العربون وعلى تحريمه فقهاء مذاهب الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي، وروي عن الإمام أحمد إجازتُه.
قال الشوكاني في بيان علّة تحريم العربون: إن البيع مع العربون اشتمل على شرطين فاسدين، أحدهما: شرط كوْن ما دفعه إليه يكون بلا مقابل ـ إن لم يتمّ العقد.
والشرط الآخر: الرَّدّ على البائع إذا لم يقع منه الرِّضَا بالبيع، وعلى هذا يكون استيلاء البائع على العربون غير جائز شرعًا؛ لنَهيِ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن بيع العُربون.
وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المسلم إذا أخذ مالاً حرامًا كان عليه أن يصرِفه إلى مالكِه إن كان معروفًا لديه وعلى قيد الحياة أو إلى وارثه إن كان قد مات، وإن كان غائبًا عليه انتظار حضوره وإيصاله إليه مع زَوائده ومنافعه. أما إذا كان هذا المال الحرام لمالك غير معيَّن كان على حائز هذا المال الحرام التصدُّق به، واستدلَّ بعض الفقهاء ببعض الأحاديث في ذلك وذهب بعض الفقهاء إلى عدم جواز التصدُّق بالمال الحرام؛ لأنَّ الله طَيِّب لا يقبل إلا طيِّبًا.
وقد رَدَّ الإمام الغزالي على القائلين بعدم جواز التصدُّق بالمال الحرام إذا لم يوجد مالكُه بقوله: أما قول القائل: لا تتصدَّق إلا بالطيِّب فذلك إذا طلبْنا الأجر لأنفسنا، ونحن الآن نطلب الخَلاص من المظلمة لا الأجر، وتردَّدنا بين التضييع وبين التصدُّق، ورجَّحنا التصدُّق على التضييع.
وعلى كل هذا فالعُربون الذي دفعه المشتري إلى البائع ولم تتم الصَّفقة مُحرّم على البائع. ويتعيَّن عليه ردُّه إلى المشتري إذا كان معروفًا لديه، وعلى قيد الحياة، وإلى ورثته إن كان قد توفِّي فإذا لم يعلم هذا أو ذاك فعليه أن يتصدَّق به في المصالح العامة للمسلمين كبناء المستشفيات والمساجِد؛ لأن عليه التخلُّص مما حازَه من مال محرم، ولا يحِلُّ له الانتفاع به لنفسه لأن كل مسلم مسؤول عن ماله من أين اكتسبه، وفيمَ أنفقه، كما جاء في الحديث الشريف.
والله تعالى أعلم


الوسوم: