السؤال:

في سورة الكهف الآية 79 وما بعدها (فأردت أن أعيبها) و(فأردنا أن يبدلهماربهما خيراً منه زكاةً وأقرب رحماً) و(فأراد ربك أن يبلغا أشدَّهما) السؤال: هل هناك حكمة فى تغيير فاعل الارادة من المتكلم المفرد ثم المتكلم الجمع ثم إلى الله تعالى؟

الجواب:

بسم الله ؛ والحمد لله ؛ والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:ـ فالظاهر ـ والله أعلم ـ أن العبد الصالح نسب خرق السفينة الذى يظهر للناس عيبا ؛إلى نفسه فى قوله(فأردت أن أعيبها)تأدبا منه ، حيث لم ينسب العيب إلا إلى نفسه.
ونسب إرادة إبدال الله والدي الغلام بغلام خير منه إلى نفسه ومن معه ـ موسى والغلام على بعض الأقوال ـ بقوله (فأردنا..) لأنه يحب الخير لهم كما يحبه لنفسه ، ويظن بهم الخير المتمثل فى أنهم يحبون أن يخلف الله على والدى الغلام ويعوضهما عنه بخير منه.
بينما نسب إرادة بلوغ الغلامين واستخراجهما الكنز المحفوظ إلى الله تعالى فى قوله ( فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما) تأدبا مع الله بنسبة الخير إليه دون الشر، مع أن القتل بإرادته تعالى وحده .
كما أن بلوغ الغلامين سن الرشد أمر غيبي يحتاج إلى وقت ، وهذا لا دخل لأحد فيه غير الله تعالى.

قال ابن كثير فى تفسيره:
وقوله ” فأراد ربك أن يبلغا أشدّهما ويستخرجا كنزهما ” ههنا أسند الإرادة إلى الله تعالى لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله وقال في الغلام (فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاة) وقال في السفينة (فأردت أن أعيبها) فالله أعلم.(انتهى)

وقال القرطبي فى تفسيره:
إن قال قائل: كيف أضاف الخضر قصة استخراج كنز الغلامين لله تعالى, وقال في خرق السفينة: ” فأردت أن أعيبها” فأضاف العيب إلى نفسه؟
قيل له: إنما أسند الإرادة في الجدار إلى الله تعالى لأنها في أمر مستأنف في زمن طويل غيب من الغيوب, فحسن إفراد هذا الموضع بذكر الله تعالى, وإن كان الخضر قد أراد ذلك فالذي أعلمه الله تعالى أن يريده .
وقيل: لما كان ذلك خيرا كله أضافه إلى الله تعالى وأضاف عيب السفينة إلى نفسه رعاية للأدب لأنها لفظة عيب فتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه, كما تأدب إبراهيم عليه السلام في قوله: “وإذا مرضت فهو يشفين” فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله تعالى, وأسند إلى نفسه المرض, إذ هو معنى نقصى ومصيبة, فلا يضاف إليه سبحانه وتعالى من الألفاظ إلا ما يستحسن منها دون ما يستقبح, وهذا كما قال تعالى: “بيدك الخير” [آل عمران: 26] واقتصر عليه فلم ينسب الشر إليه, وإن كان بيده الخير والشر والضر والنفع, إذ هو على كل شيء قدير, وهو بكل شيء خبير ولا اعتراض بما حكاه عليه السلام عن ربه عز وجـل أنه يقول يوم القيامة: (يا ابن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني) فإن ذلك تنزُّلٌ في الخطاب وتلطف في العتاب مقتضاه التعريف بفضل ذي الجلال وبمقادير ثواب هذه الأعمال وقد تقدم هذا المعنى والله تعالى أعلم.

ولله تعالى أن يطلق على نفسه ما يشاء, ولا نطلق نحن إلا ما أذن لنا فيه من الأوصاف الجميلة والأفعال الشريفة جل وتعالى عن النقائص والآفات علوا كبيرا.

وقال في الغلام: “فأردناأن يبدلهما ربهما” فكأنه أضاف القتل إلى نفسه, والتبديل إلى الله تعالى .(انتهى) والله أعلم