السؤال:

هل تقبل الصلاة من غير خشوع؟ وكيف السبيل إلى صلاة خاشعة؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد
إن الخشوع في الصلاة يحتاج إلى مجاهدة قوية، ومهما يكن من نتائجها فإن للمصلي نصيبا وإن لم يبلغ الغاية، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولا يمرن بخيال أحد أن الإخفاق في هذه المجاهدة يوحي باليأس، أو يوعذ بالقعود عن الصلاة ما دامت لا ترجى منها فائدة لتحقيق الخشوع الذي يفلح به المؤمنون.
فإن الصلاة مع المجاهدة ولو قل شأنها فيها فائدتان:
أولاهما ـ الثواب على ما جرى على لسان المصلي من ذكر وقراءة وعلى حبس نفسه في الصلاة عن عمل الدنيا من أجل الآخرة.
وثانيتهما ـ رجاء النجاح في المجاهدة؛ فإن كثرة المحاولة قد تؤدي إلى الخشوع المطلوب، أو تقرب منه كما يقال: الحلم بالتحلم، والعلم بالتعلم.
وأول الغيث قطر، ثم ينهمر، والميسور لا يسقط بالمعسور.
ويعجبني في هذا المقام: ما جاء في حكم ابن عطاء الله السكندري المتوفى سنة 707 هـ وفى شرح ابن عجيبة: لا تترك الذكر لعدم حضور قلبك مع الله فيه؛ لأن غفلتك عن وجود ذكره؛ أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غفلة عما سوى المذكور، وما ذلك على الله بعزيز.

نحو صلاة خاشعة:
أما عن السبيل لصلاة خاشعة فيكون بدفع الخواطر التي تمنع الخشوع، يكون ذلك بدفع أسبابها ومصادرها، وهذه قد تكون عارضة خارجية: كالأصوات الشديدة من الإذاعة والسيارات في الشوارع والأسواق وما إليها، وكالمناظر الخلابة: كالفراش المنقوش، والصور المعلقة أمام المصلي.

والعلاج هو: البعد عن مصادرها، أو بالتنحي عنها، ويساعد عليه تركيز النظر إلى موضع السجود، والقرب من الجدار؛ حتى لا يكون أمامه ما يشغله، وعدم الالتفات وما إلى ذلك مما يصرف عن التركيز.
وثبت أنه ( صلى الله عليه وسلم ) لبس خميصة أتاه بها أبو جهم، وعليها علم وصلى بها، ثم نزعها بعد صلاته وقال: “اذهبوا بها إلى أبي جهم؛ فإنها ألهتني آنافا عن صلاتي وأتوني بأنبجانية أبي جهم”. رواه البخاري ومسلم.
ولم يثبت أنه أعاد الصلاة التي ألهته فيها الخميصة.
وقد تكون أسباب الخواطر في داخل الإنسان نفسه، وليست عارضة من الخارج، وأكثرها رواسب أو ذيول لمؤثرات سبقت الدخول في الصلاة.
والعلاج يكون بطرح الهموم والشواغل قبل القيام إلى الصلاة، وذلك يحتاج إلى فترة مناسبة، وقد يكون الاشتغال بالوضوء لونا من التمرس على نسيان هذه الشواغل، أو التقليل من أثرها.
روى أبو داود أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال لعثمان بن طلحة: “إني نسيت أن أقول لك: تخمر القدر الذي في البيت؛ ذلك أنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل الناس عن صلاتهم”.
ومع العمل على طرح هذه الهموم قبل الصلاة؛ ينبغي أن يحل محلها تفكير آخر، وهو يكون بفهم ما يقوله المصلي ويفعله، وبقدر ما يدرك من ذلك يكون خشوعه وثوابه وإحساسه بحلاوة الصلاة وخفتها، وعدم الشعور بثقلها، يقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ): “ما من مسلم يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقوم في صلاته فيعلم ما يقول؛ إلا انفتل وهو كما ولدته أمه”. رواه مسلم وغيره.
ومعنى انفتل: خرج من الصلاة.

والله أعلم .