السؤال:

خَطبتُ فتاةً مسلمةً ذاتَ خُلق ودِين فَوَافقَ والدُها على الزواج، وحدَّدنا للعقد يومًا ودعونا الأهل والأصدقاء والجيران، وجاء اليوم المَوعود فأحضَرَ لي والدُها شِيكًا بمَبلغ كبير وطلَب مني التوقيعَ عليه، فسألتُه عن السبب في هذا الطلَب فقال لي: إنَّ هذا الشيكَ سيكون ضمانًا لحُسن المُعاشرة واستمرار الحياة الزوجية، فإن الزوج ـ كما قال ـ إذا أحسَّ بأنه لو فكَّر في الطلاق أنه أمام عَقبة لا يَستطيع أن يَتخطَّاها بسُهولة يُقلِعُ عن التفكير في الطلاق، وبذلك يَظلُّ الزوج مُحافظًا على زوجته فلا يُطلِّقها بل ولا يُسيءُ عِشرتَها... إلى آخر ما قال مِن كلام لا يَخرج عمَّا ذَكرتُه، وزعم أن هذه عادةٌ قد انتشرتْ في كثير من البلاد، فقلت له: أليستْ قائمةُ المَنقولات التي كتَبْناها معًا تُغني عن هذا؟ فقال: لا‍. وأمام تَصميم الوالد على هذا الشيك وَقَّعتُ له عليه، وفي نفسي مِن ذلك ما فيها من حُزنٍ وخوفٍ مِن العواقب التي لا تُحمد، وغلَب على ظنِّي أن هذا الزواج لن يَستمر، وأن هذا الشيك أصبحَ يُمثل سيفًا مُسلَّطًا على عُنقي، ونَدمت على ما فعلتُ، وأنا أسأل: هل كتابة الشيك على الزوج عملٌ يُقرُّهُ الدِّين؟ وهل كنتُ مُخطئًا عندما وافقتُه على ذلك؟ أفِيدُونا أفادكم الله.

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أخذ شيك على الزوج ضمانا لاستمرار العشرة واستمرار الحياة الزوجية ليس من الدين في شيء، أما قائمة المنقولات فهي من الأمور التي تحفظ حقوق الزوجية .

يقول الدكتور محمد بكر إسماعيل الأستاذ بجامعة الأزهر :
لا شك أن قائمةَ المَنقولات مِن الأمور الواجبة لحِفظ حُقوق الزوجية بشرط ألا يُبالَغَ فيها. أما أخْذُ شيكٍ بمبلغ كبيرٍ أو صغير على الزوج للحَيْلولة بينه وبين التفكير في الطلاق، فهو عملٌ ليس مِن الدِّين في شيء، وهو يُؤدِّي إلى عكس ما يُرجَى منه تمامًا، ويَجعل الزوج في حالة نفسيَّة قاسية ربما تَحمله على إساءة عِشرة زوجته والانتقام منها، وحمْلها على التنازُل له عن كل حُقوقها لكي تَتخلَّص مِن شرِّه وسُوء صَنيعه.
والزواج إنَّما يُبنى على العدْل والفَضل والمَعروف والعفْو والتَّسامح والتفاهم والتقوَى، فعقد الزواج ليس كسائر العُقود التي تُحاط بالضمانات المالية ولكنه مِيثاق غليظٌ يُباركه اللهُ مِن فوق سبع سماواتٍ ويأمر الزوجَينِ بالمحافظة عليه والعمل على دَوامِه بالحُبِّ والإخلاص والثِّقة وحُسن المُعاشرة والتسامي عن المادِّيَّات بقَدْرِ الإمْكان.
ومِن هذا يَتبيَّن لنا أن وَالدَ الزوجةَ كان مُخطئًا بكل المقاييس، وإني أرجو ألا تَنتشر هذه العادة التي يَدفع إليها الشُّحُّ والجهل بمُقومات الزواج وأُسُسِهِ العامة.
وأنت ـ أيها السائل الكريم ـ كنتَ مُخطئًا عندما وافقتَ على هذا الشرط المُهين الذي تَعمَّد والدُها تَرْكَ الإفْصاح عنه إلى اليوم الذي تَجِدُ نفسَك مُحرَجًا كلَّ الحرَج في رَفْضِه، ولكن لا بأس، وما عليك إلا أن تَتماسَكَ وألا تُنزلَ غضبك على امرأتِك؛ فليس لها ذنْبٌ في ذلك وإنما الذنب على والدها ـ سامَحَه اللهُ ـ وانْسَ هذا الشيك حتى تتمكَّن مِن حُسن مُعاشرة زوجتك والعيش معها في هُدوء، واستعنْ بالله ـ تبارك وتعالى ـ وقُل: قدَّر اللهُ وما شاءَ فعَلَ. عافانَا الله وإيَّاكَ مِن شرِّ هذه العادات التي تُعجِّل بهدْم بيت الزوجية قبل إتمام بِنائه واستكمال دَعائمِه.
والله أعلم.