السؤال:

بعض الاتجاهات في المُجتمعات المعاصرة لا ترى في الزنى مُبرِّرًا للطلاق أو لأيِّ عقابٍ لمَن يُباشره، بينما الإسلامُ يَرى فيه جريمةً اجتماعيةً؛ ولذا يَطلب في قول الله تعالى: (ولْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ) (النور: 2) أن يَحضُر بعض المؤمنين تنفيذَ الحدِّ على جريمته. أَلَا تَنطوي نظرةُ الإسلام على عُنْفٍ يميل بها إلى البُعد عن الإنسانية؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله ،والصلاة والسلام على رسول الله،وبعد:
ليس هناك في الإسلام شيء مما حرمه الله تعالى إلا لحكمة يعلمها سبحانه ،فهو أعلم بما يصلح البشر ،وقد حرم الله تعالى الزنا لحكم اجتماعية ونفسية وصحية.
يقول الدكتور محمد البهي عميد كلية أصول الأسبق رحمه الله تعالى :

يرى الإسلام في الزنى جريمةً اجتماعية؛ لأنه اعتداءٌ على الأنساب، بعد كوْنه يَنطوي على امتهانِ المرأة والاعتداء فيه على الأنساب يرجع إلى ضياع النَّسَبِ للأولاد الذين هم ثَمرته. فالولد فيه لا يَعرف أباه، وإنْ عرَف أُمَّه، وقد يَجهلها كذلك إنْ هي تَخلَّصت منه بعدَ وِلادته لجهةٍ ترعى الأطفال غيرَ الشرعيين.
وأولاد النسَب غير المعروف يُصاحب نُموَّهم في المجتمع إحساسٌ بالنقْص، ورغبةٌ في الانتقام مِن المجتمع ذاته ومِن أجل ذلك قلَّما يَحملون معهم اتجاهًا إيجابيًّا لصالح المجتمع ولمَحَبَّةِ الآخرين فيه.

أما امتهانُ المرأة؛ فلأنها تتحوَّل عن طريق الزنى إلى سلعة، أو إلى مصدر مُتعةٍ مادية وقْتيةٍ، مَطلوبة للرجل، وعندئذٍ تفقدُ في ذاتها كرامةَ الإنسان ورُوحَه، التي تُسهم في إيجابيات المجتمع وبنائه وتماسُكه.
والمجتمع يُريده الإسلام أن يكون مَوفورَ الكرامة، لا يُحِسُّ بعضُ أفراده بنَقصٍ ذاتيٍّ تِجاهَ البعض الآخر، ولا تَترسَّب في نفوسهم عُقَدُ الحقد والكراهية للآخرين والانتقام منهم.
وإنما جميعًا يجب أن يكونوا كالبنيان المَرصوص لا تَشِذُّ فيه لَبِنَةٌ عن أخرى في صَقْلِها وتَهذيبها.
وإذا كان الإسلام ينظر إلى الزنى كجريمةٍ اجتماعية، ويُشَرع له الحدَّ المعروف الذي قد يراه البعض بأنه يَنطوي على غِلْظة، فالإسلام لم يُشرِّع هذا الحدَّ إلا بعد أن رَخَّصَ للإنسان تَعَدُّدَ الزوجات في قول الله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ…). (النساء: 3)..
ويقول هنا الزمخشريُّ في تفسيره الكشاف: لمَّا نزل النهي عن أموال اليتامى في الآية السابقة على هذه الآية: (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا). (النساء: 2).
تَحرَّج الناس مِن الولاية على أموال اليتامى، بينما كانوا لا يَتحرَّجونَ عن الزنى فقيل لهم: إنْ خِفْتمُ الجَّوْرَ في حق اليتامى فخافوا الزنى فانْكِحُوا ما طاب لكم مِن السناء مَثنى وثُلاثَ ورُباعَ.
فلكي يَمنع ـ إذن ـ الإسلامُ الزنى؛ لمَا له مِن هذا الخطر على المجتمع، رخَّصَ بتعدُّد الزوجات، والرُّخْصة عادةً لا يُباشرها إلا صاحب حاجة مُلِحَّةٍ، ومِن المبادئ العامَّة في الإسلام أن يُترك تقدير الحاجة إلى الشخص، اعتمادًا على خَشْيته مِن الله كمُؤمن؛ ولأن تعدُّدَ الزوجات رُخصةٌ كبَديلٍ مَشروعٍ عن الزنى قُيِّدَ بالعدْل بين الزوجات في آية الترخيص نفسِها: (فإنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً…). (النساء: 3).
وهكذا: إذا باشَرَ المؤمنُ جريمة الزنى كان كمَن سرق مال الغيرِ دون أن تكون له حاجة إلى سَرقته، أما اتجاه بعض المجتمعات المعاصرة إلى إعفاءِ الزنى مِن اعتباره جريمةً فقد يكون لأنَّ الإذْن بالزواج هناك مرهون بواحدة فقط؛ ولأن الفراق بين الزوجينِ إنْ تَمَّ فعلى درجة كبيرة من الصعوبة.
والطبيعة البشرية حتْمًا تأخذ طريقها إنِ اضْطُرَّتْ إلى ذلك، وهي التي تُحدِّد البديل عندئذٍ للأمر المَكروه المَحظور.ا.هـ
فكان في النهي الشرعي عن الزنى استجابة للفطرة الإنسانية ،وحمايتها من الرذائل ،مع الاحتفاظ بكرامة المرأة والأسرة والمجتمع،وبهذا ينتفي ما يدعي أن الإسلام تعامل مع جريمةالزنى بنوع من العنف .
والله أعلم