السؤال:

ما الحكم في أن يأخذ الولد من مال والده دون أن يعلم ،مع العلم أن مايأخذه الولد يعد شيئًا قليلا؟

الجواب:

بسم الله،والحمد لله،والصلاة والسلام علىرسول الله ،وبعد:

لا يجوز للولد أن يأخذ من مال والده إلا بإذنه ،ولا تشفع تلك القرابة له في فعل ما أتى ،وعليه أن يصارح والده فيما فعل ،وأن يطلب منه أن يسامحه فيما أخطأ.
يقول الدكتور محمد البهي الأستاذ بجامعة الأزهر رحمه الله :

إنَّ صِلة القرابة بين الولد ووالده هنا لا تبرِّر ما يفعله من أخذه شيئا من مال الوالد من غير علمه.
وإن ضآلة ما يأخذه ـ أيضًا ـ في غير علم والده لا يُضفي الحلَّ والمشروعية على تصرُّفه.

وإن كون تصرُّفه هذا لا يتجاوز به والده إلى غيره لا يعفيه من المسؤولية الأدبية والشرعيّة فيما يصنعه.

ففعله هذا في عِداد السَّرقة والاختلاس؛ لأن السرقة أو الاختلاس الاستيلاء على مال الغير خفية، وفي غير إذن منه.

وهو يدلُّ هنا ـ في هذه الحالة ـ على جُبن الولد أو على ضعف الثقة في والده. ويدلُّ من جانب آخر على أن الوالد في عزلة تامة عن حياة ولده، فقوة الثقة من جانب الابن في أبيه تحمِله ـ أي الابن ـ على أن يُصارِحه بكل احتياجاته، ولا يلبِّي بعضها خفية عنه من ماله، على نحو ما يصنع هذا التلميذ السائل.

واتصال الوالد بولده، ووقوفه على شؤونه، والتعرُّف من وقت لآخر على احتياجاته تجعله نفسه يعرِض عليه من المال ما هو في غنًى عن سرقته واختلاسه منه.

فهذه الظاهرة ـ وهى ظاهرة أخذ المال القليل خفية من الوالد ـ تعبِّر عن شبه “أزمة” في العلاقة بين الوالد وولده. وهى أزمة قد يكون لها أكثر من سبب. وترجِع جميعها إلى التربية وطريقتها.
على أن هذا الفعل من الولد إن قصره اليوم على مال والده، قد يصبح أخذه من مال الغير بصفة عامّة من عاداته. وهى عادة لا تقف به عند حَدّ المال. بل تتعداه إلى كل شيء مرغوب فيه يسلك إليه طريق السِّرِّيّة والتخفِّي، والاستيلاء عليه ولو بالغصب والإكراه. وهنا تتكوَّن لديه الجرائم الخُلقيّة، تحمل عليها رغبة الحصول على كل شئ ما، وفي سبيل الاقتناء تُركَب الجريمة المناسبة.
إنها على أية حال ـ إن اعتُبِرت عوامل عديدة للتخفيف من أمرها وإبعادها عن الجريمة الواضحة ـ عادةٌ من العادات السيئة التي تجرُّ إلى عادات أخرى أسوأ منها.

والرأي ـ بغضِّ النظر عن حرمة الفعل وعدم شرعيته ـ أن يصارح الولد والده بالأمر، ولا يجبُن ولا يخشى في هذه المصارحة. وعلى الوالد أن يعفوَ عما سلف فلا يؤنِّب ولده، ويرعى شؤونه وتوجيهه في دِقّة وفي متابعة. ويجعل منه صديقًا يستشيره ويُشير عليه، كما يعمل على تقوية الرابطة بينهما، بحيث تترجم عن ثقة تامّة متبادَلة.

وبهذه الثقة وحدَها يتقِّي الوالد كثيرًا من أخطار تَطوُّر المراهَقة في حياة ولده. وبهذه الثقة كذلك يشعر الولد باعتباره الإنساني وبقيمته في الأسرة، وبالتالي يحرص دائمًا على أن يكون موضع هذه الثقة فيحسِّن في سلوكه ويتروَّى في تصرُّفاته، ويجدُّ في عمله الدراسي، أو في عمله الآخر بعد الدراسة وإنهائها.
والله أعلم