السؤال:

والدتي لا ترضى عن راحتي وراحة أم أولادي "زوجتي" وتَجلِب لي المشاكل العائلية، وتُريد طَرْد زوجتي، وهي أم لخمسة أطفال. وأنا مُحافَظ على حقوق والديّ وبِرّهما. وحاولتُ الكثير في إصلاح هذه الحالة ولكنِّي لم أنجح. فأخذتُ زوجتي وأولادي إلى بلد بعيد لترتاح ويرتاح أولادي. فما الرأي؟

الجواب:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
إن الأم في مثل هذه الحالة نسيت أمومتها، لاعتقادها الخاطئ أن الزوجة أخذت ابنها، ونسيت أن من الأمومة أن تفرح الأم لفرح ابنها، وأن تحزن لحزنه، ومادامت الزوجة طيبة المعاملة لها، فلا ينبغي أن تعامل بمثل هذه المعاملة القاسية، ولا يجوز طاعة المرأة في مثل هذا،لأنه ظلم حرمه الله تعالى، ولكن عليك بالترفق بها، وليس عليك حرج شرعي في انتقالك من مكان الأسرة إلى مكان آخر، ولكن لا يحمل ذلك ألا تبر أمك، بل كن بها بارًا
يقول الدكتور محمد البهي من علماء الأزهر ـ رحمه الله ـ :
الأم الآنَ في موقفها من زوجة السائل أنانية، تريد أن لا تترُك في قلبه وفي حياته فراغًا لامرأة أخرى، ولو كانت الزوجة، ولو كانت أم أولاده، ولو كانت في خدمته ورعاية الأولاد .
وهذه الأم الأنانية في معاملتها لزوجة ابنها على هذا النحو يجب أن لا تُطاع من ولدها. ففي وصية لقمان لابنه كما يقصُّها القرآن الكريم في قول الله تعالى: (وإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعروفًا واتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ) (لقمان: 15).. وما يقصُّه القرآن من الشرائع وأخلاق الرسالات السماوية السابقة يُعَدُّ من المنهج الذي يجب أن يسير عليه المؤمنون برسالته .
وفي هذه الوصية يُوصي لقمان ابنه بثلاثة أمور :
أولاً: بأن لا يتبع الوالدين فيما يُخالف رسالة الله، وبالأخصِّ في الشِّرك بالله: (وإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا) .لقمان : 15
وثانيًا: أن الاختلاف بين الابن والوالدين في الدين ـ ومثله الاختلاف الجذريّ في اتجاه الحياة ـ لا يمنع أن يقوم الابن بما يجب عليه نحو الوالدين من رعاية وإحسان، ومصاحبة بالمعروف (وصَاحِبْهُما في الدُّنيا معروفًا) بل يجب عليه أن يباشر الرعاية المثلى نحوهما، بالرغم من الاختلاف بين الطرفين .
وثالثًا: أنه يجب على الابن ليكون في مأمن من سلوكه وفي اتجاهه في الحياة أن يتبع فقط سبيل المؤمنين بالله وحده (واتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ)
والأم هنا ـ في هذا السؤال ـ بتضييقها على زوجة الابن وبإثارتها المشاكل العائليّة في وجه ابنها بسببها.. تُخالف ما ينصح به الإسلام فيما يجب أن يعامِل به الزوج زوجته في حسن خلُق ومودّة ولُطف. فيُروى عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ قولُها عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلُقًا.. وخِياركم ـ أي المُفَضَّلون فيكم ـ خياركم لنسائهم” أي المُحسِنُون إليهم بالمعاشرة الطيبة .
فعلى الابن ـ وهو صاحب السؤال ـ أن لا يُطِيع والدته فيما تَحمِل به على زوجته. وليس في عدم طاعته إيّاها في ذلك ما يُخالف نُصْحًا أو أمرًا لله في شأن الوالدين. ومع وُجوب عدم طاعته لوالدته فإنه يجب عليه الاستمرار في رعاية الوالدين. وبذلك يكون مُتَّبِعًا سبيل مَن أناب إلى الله، وتوكَّل واعتمد عليه، وهو المؤمن به في ثقة وفي صدق .
ولذا فالطريق الذي اختاره الزوج بالانتقال بزوجته وأولاده إلى مكان بعيد عن والدته.. هو الطريق الأمثل. ولا يُقَلِّل ابتعاده عنها في المكان أيّ أجر أو ثواب له عند الله في رعاية الوالدين. وبذلك يحفظ المودة في الجانبين: في جانب الزوجة.. وجانب والديه .

والله أعلم