السؤال:

شيخنا الفاضل :نرجو بيان حكم دفن أكثر من ميت فى قبر واحد؟

الجواب:

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

فالأصل دفن كل ميت منفردا في قبر على حده، ويكره الجمع إلا للحاجة ، على أن يكون بين كل ميت وآخر فاصل ترابي .

يقول فضيلة الشيخ جاد الحق على جاد الحق رحمه الله شيخ الأزهر سابقا:

لقد اتَّفقت كلمة فقهاء المذاهب الأربعة على أن هدْي السلف الذي جرى عليه العمل أن يُدفَن كلُّ واحد في قبر، فإنْ دُفن أكثر من واحد كُرِهَ ذلك، إلا إذا تعسَّر إفراد كل ميت بقبر، فإنه في هذه الحال يجوز دفْن أكثر من واحد في قبر واحد.

ويدلُّ لمشروعية هذا ما رواه أحمد والترمذي وصحَّحاه: أن الأنصار جاءُوا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم أُحد فقالوا: يا رسول الله أصابنا جُرحٌ وجهد فكيف تأمرنا؟ فقال: “احفُروا وأوْسعوا وأعْمقوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر” قالوا: أيُّهم نقدم؟ قال: “أكثرُهم قُرآنًا”.

ورَوى عبد الرزاق بسَند صحيح عن وائلة بن الأسقع: أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيُقدم الرجل وتُجعل المرأة وراءه.

وقد نصَّ الفقه الحنفي (نور الإيضاح وشرحه مراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي ص: 236 وتنوير الأبصار، وشرحه رد المحتار، وحاشية ابن عابدين في ذات الموضع جـ 2 ص: 247) في باب الجنائز:

على أنه لا بأْس بدفن أكثر من واحد في قبر واحد للضرورة، ويُحْجز بين كل منهم بالتراب، هكذا أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بعض الغزوات، ولو بَلِيَ الميت وصار ترابًا جاز دفن غيره في قبره.

ومثل هذا في الفقه المالكي؛ حيث نُصَّ فيه على أنه: جاز جمع أموات في قبر واحد للضرورة: كضيقِ مكانٍ أو تَعَذُّرِ حافِرٍ، وكُرِهَ جمعهم في قبر واحد لغير ضرورة. (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير جـ 1 ص: 422، وشرح الخرشي على مختصر خليل، مع حاشية العدوي جـ 2 ص: 133ـ 134).

وفي الفقه الشافعي: ولا يُدفن اثنان في قبر إلا لضرورة، واستدلَّ ـ أيضًاـ بواقعة غزوة أحد (حاشيتا قليوبي، وعميرة على شرح الجلال المحلى على منهاج الطالبين للنووي جـ 1 ص: 341ـ 342). على أن جمع الأقارب في الدفن حسنٌ؛ لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين حضر عثمان بن مَظعون “ادفْن إليهِ مَن ماتَ مِن أهله”. وقال فقهاء المذهب: إنَّ ذلك أسهل لزيارتهم.

لمَّا كان ذلك، جاز للمسلمين دفْن أكثر مِن جُثةٍ في قبر واحد عند الضرورة، مع الفصل ـ عند التعدُّد ـ بين الجُثث بالتراب..

ولا حرَج في ذلك، سواء كان الدفْن في وقت واحد، أو مُتعاقبًا، بمعنى نبْش قبر سبق فيه الدفن لدفْن ميت آخر، متى وُجدت الضرورة على نحو ما سبقت الإشارة إليه.

والله أعلم.