السؤال:

أخونا مُثابر مُكافح بارٌّ، اغترب مِن أجل تحسين حالته المادية، ثم عاد مِن غُربته وشرَع في بناء بيت خاصٍّ به مِن ماله الخاص، وما إنِ ارتفع البناء حتى اقترَحَتْ، بل أمَرَتْ أُمُّنَا أن يكون هذا البيت مُناصفةً بينه وبين أخوَيه الأصغرَينِ، اللذَينِ تعلَّمَا أحسن تعليم والتحَقَ أحدهما بعمل يُدِرُّ له دخلًا، والآخر في الجامعة، ولمَّا راجعناها في أمرها أرغَتْ وأزبدَتْ وأخذَتْ في الدعاء علينا بدعوات نسأل الله أن يُعافيَنا منها، فهل طاعة الأم بلا حدود؟ وهل يحقُّ لنا الضغط على أخينا حتى يتنازل كتابةً عن نصف بيته لأخوَيه؟ أفِيدُونا أفادكم الله.

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد:
فقبل أن أتوجه إلى السائلة بالجواب، أُذكِّرُ الأم بأنه إذا كان حقُّها على أولادها طاعتَها والبرَّ بها فإن الواجب عليها أن تُعين أولادها على البرِّ بها، وليس خافيًا عليها أن تمليك مَن لم يعمل مالَ مَن عمل، بعضَه أو كلَّه ظلمٌ، صحيح أن الإخوة مُطالبون بأن يُساعد بعضهم بعضًا، لكن أساس المساعدة الحب وليس القسْرَ وتحتيمَ الرأي، وإذا كنتِ أيتها الأم غير مُفرِّطة في حقك الذي منَحه لك ربُّك فأوجَب على الأولاد طاعتَكِ فلا تنسَيْ أنكِ مُخاطَبةٌ بقول الله تعالى:

(يا أيُّها الذينَ آمنوا كُونُوا قوَّامِينَ بالقِسْط شُهداءَ للهِ ولو على أنفسِكمْ أو الوالدَينِ والأقربِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أو فَقِيرًا فاللهُ أوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الهَوَى أن تَعْدِلُوا وإن تَلوُوا أو تُعرِضُوا فإنَّ اللهَ كان بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) (النساء: 135) ولا تنسَيْ أيضًا أن الدعاء على الأولاد منهيٌّ عنه بنصِّ حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكُفِّي عن الدعاء على بَنيكِ ولِينِي لهم يَرْضَ عنكِ ربُّكِ.

أما أنتم أيها الأبناء فلا أملك إلا أن أُوصيَكم بطاعة الأم؛ لأنه لا حدود لطاعتها إلا إذا أمَرَت بشِرْكٍ (ووصَّيْنَا الإنسانَ بِوَالِدَيهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا علَى وَهْنٍ وفِصَالُهُ فِي عَامَينِ أنِ اشْكُرْ لِي ولِوَالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ. وإنْ جَاهَدَاكَ علَى أن تُشركَ بِي مَا ليسَ لكَ بِهِ علْمٌ فلا تُطِعْهُمَا وصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) (لقمان: 14ـ 15) فإذا لم يكن سبيلٌ إلى إرضائها إلا إجابتَها إلى ما طلبَتْ فالأمر بيد الابن الباني؛ إن شاء أجابَ أمَّه إلى طلبها وله الأجرُ في الدنيا والآخرة، وإن لم يشأْ فقد استمسَكَ بالعَدْل ولا تَثْرِيبَ عليه في ذلك.

والله أعلم